تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٣ وقوله تعالى ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ اختلف في حكم الظهار ما هو ؟ وفي تأويل العود :
عن طاووس قولان : في قول : قال :﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ الوطء، فإذا حنث فعليه الكفارة، وهذا تأويل بعيد مخالف للنص لأن الله تعالى يقول :﴿من قبل أن يتماسا﴾ وإنما الذي ذهب إليه حكم الإيلاء أنه إذا وطئ تجب الكفارة، فأما في الظهار فتجب الكفارة قبل الوطء، وفي [ قول : قال ] (١) إذا تكلم بالظهار، تجب عليه الكفارة، ولم يشترط معها(٢) عليه شيء آخر.
وعن مالك أنه إذا ظاهر من امرأته، ثم أجمع، وعزم على إمساكها وإصابتها، وحنث، عليه الكفارة، حتى إذا طلقها أو ماتت المرأة بعد العزم على الإمساك والإصابة أو بعد الإصابة بقي وجوب الكفارة عليه، وإن لم يجمع على إمساكها حتى ماتت تسقط الكفارة، وكذلك إذا طلقها.
لكن إذا تزوجها بعد ذلك، لم يمسكها حتى يكفر، فيكون العود هو إمساكها(٣) ليطأها.
وعن الحسن أن العود، هو العزم على الجماع، حتى إذا عزم على جماعها تجب الكفارة، وإن أراد تركها بعد ذلك، وقال عثمان البتي في من ظاهر من امرأته، ثم طلقها قبل أن يطأها، قال : أرى عليه الكفارة، راجعها، أو لم يراجعها، وإن ماتت لم يرتفع الظهار والكفارة، لا يرث حتى يكفر.
وقال الشافعي : العود هو الإمساك، والكفارة تجب به، وحكم الظهار، وهو تحريم المتعة، حتى إذا أمكنه أن يطلقها بعد الظهار، ولم يطلق، وأمسكها ساعة ليطأها فقد وجبت عليه الكفارة، عاشت [ أو ماتت، وإذا عاشت ] (٤) طلقها، أو لم يطلقها راجعها أو لم (٥) وإذا طلقها عقيب الظهار بلا فضل، يبطل الظهار، ولا تجب الكفارة إلا بعزم إمساك المرأة.
وقال بعض المتأخرين في تأويل قوله تعالى ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ أي يعودون إلى القول الأول، فيكررون ذلك القول، وعندهم لا يكون الرجل مظاهرا حتى يقول : أنت علي كظهر أمي مرتين.
وأما عندنا فحكم الظهار، هو تحريم مؤقت بالكفارة، ولا يرفعه(٦) إلا الكفارة. هكذا روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : إذا قال : أنت علي كظهر أمي لا (٧) تحل له حتى يكفر.
وعندنا لا تجب الكفارة بنفس الظهار، وإنما الظهار يوجب الحرمة، لا غير، وإنما تجب [ الكفارة ] (٨) بالعود، حتى إنها إذا ماتت لا تجب عليه الكفارة إذ ارتفع المعنى الذي يوجب (٩) وهو استباحة الوطء، وكذلك إذا طلقها بائنا أو ثلاثا لا تجب الكفارة لهذا، حتى إذا عادت إليه بالتزوج، وأقدم على استباحة الوطء تجب الكفارة.
وهو عند أصحابنا أن يجعل المرأة على الحالة الأولى، ويحللها على نفسه على ما كان عليه، ويستبيح وطأها فإذا أراد أن يحللها على نفسه، ويستبيحها، ويقدم عليه [ يجب عليه ](١٠) أن يكفر.
ولا تزول الحرمة عندنا إلا بالكفارة، فالتكفير سبب الحل. كذا ذكر العميّ في تأويل ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ أي يعودون بفسخ ما قالوا ونقض ذلك، واستدل بما ذكر عن الأصمعي أن أعرابيا تكلم بين يديه بأنه كان شيء بيننا (١١)، ثم نعود إليه، قال له الأصمعي : ما أردت به ؟ فقال : أن (١٢) أنقضه، وأفسخه.
فهذا يدل على أن المراد من قوله :﴿ثم يعودون﴾ [ أن يعودوا ] (١٣) إلى استحلال ما حرموا [ وينقضوا ذلك ويردوا ] (١٤) الحل إلى الحالة الأولى، إلا أن ظاهره العود إلى القول بقوله :﴿ثم يعودون لما قالوا﴾.
ولكن أراد به المقول به والثابت به، وهو الحرمة، كأنه قال : ثم يعودون لما حرموا بالقول، فيستبيحونه، ويجوز أن يذكر الفعل ويراد به المفعول كقوله عليه السلام : " العائد في هيبته كالكلب يعود في قيئه " [ البخاري ٢٦٢١ ]. وإنما هو عائد في الموهوب وقول(١٥) الله تعالى ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ [ الحجر ٩٩ ] أي الموقن به والله اعلم.
فإن قيل : العود الذي تجب [ به ] (١٦)الكفارة، هو العزم على استباحة الوطء والقصد على تحليلها على نفسه وإعادة الحل إلى الحالة الأولى، ثم الإقدام على الوطء أو مباشرة نفس الوطء.
فإن كان المراد، هو الأول، فيجب أن يقولوا : توجب الكفارة بنفس العزم على الاستباحة والتحليل كما قال مالك، رحمة الله عليه، والحسن رحمة الله عليه.
وإن كان المراد إيقاع الوطء فيجب أن يقولوا : إنه لا تجب الكفارة إلا بعد الوطء كما قاله قوم، وهو خلاف الآية وخلاف قولكم.
قيل : يعني بذلك أنه (١٧) الإقدام على استباحة الوطء والاشتغال بإقامته فيقدم التكفير ثم يفعله أما لا تجب بمجرد العزم ولا بعد تحقق الفعل، وهذا لأنه إذا ظاهر حرمت المرأة عليه بسبب فعله يجب عليه توفير حقها في الجماع إن كانت بكرا في الحكم حتى يجبر عليه (١٨).
وإن كانت ثيبا وقد وطئها مرة، فيجب عليه في ما بينه وبين الله تعالى إيصال ذلك إليها.
وعن بعض أصحابنا يجبر في الحكم أيضا على ذلك. فإذا أقدم على ذلك يجب عليه تحصيل الكفارة ليتوصل إلى إقامة ذلك الواجب عليه في الجماع، إذ لا يحل ذلك بدون الكفارة.
وهذا كالوضوء في باب الصلاة، ليس بفرض مقصود بنفسه، لكن يجب لإقامة الصلاة، إذ لا تجوز الصلاة بدون الطهارة. فإذا أقدم على الصلاة يجب / ٥٥٥ – أ / عليه تحصيل الوضوء ليتمكن من أداء ما عليه، ولا يجب بنفس الإرادة، ولا يجب بنفس الحدث، حتى يجب الوضوء ما لم يدخل وقت الصلاة ويقم(١٩) إليها.
وكذلك المرأة إذا حاضت بعد الوقت حتى سقطت عنها الصلاة يسقط الوضوء.
فعلى ذلك هذا يجب عند الإقدام على إقامة هذا الواجب وهو الوطء، والظهار شرط ولهذا إذا ماتت المرأة تسقط الكفارة لانعدام ما هو المقصود بالإقامة وهو الوطء. وكذلك إذا طلقها ثلاثا أو بائنا، لكن إذا عادت إليه تلزمه الكفارة إذا أقدم على الوطء، ولم يبطل الظهار لاحتمال حصول العود(٢٠)، والله اعلم.
ويحتمل وجها آخر وهو قوله :﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾ الآية هذا خبر عن ظهار القوم الذين كانوا يظاهرون في جاهليتهم أي ظاهروا في ذلك الوقت ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ أي لو قالوا ذلك القول بعد إسلامهم فعليهم ما ذكر، إذ الظهار كان ظاهرا قي الجاهلية، من عاد إلى ذلك القول، ورجع إليه وقت إسلامه، فعليه ما ذكر وهو كقوله تعالى ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ [ المائدة ٩٥ ].
فهذا يرجع إلى فعل ذلك مرة وإلى استحلال ما حرم الله ثانيا وإن عاد إلى الفعل الأول لا من وجه الاستحلال فينتقم الله منه بالغرامة عليه. وإن عاد إلى الاستحلال فينتقم الله منه بالعذاب.
وكذلك مثل هذا في آية الربا حين(٢١) قال :﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد﴾ ﴿البقرة : ٢٧٥﴾ أي عاد إلى ما كان يفعله قبل الإسلام فكذلك هذا العود إلى الظهار.
على هذا التقرير يخرج تأويل الآية عندنا(٢٢) وهو كقوله تعالى :﴿ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه﴾ ﴿المجادلة : ٨﴾ أي كانوا يتناجون في الجاهلية فنهاهم الله تعالى عن العود إلى ما كانوا عليه.
فعل ذلك يحتمل هذا، والله أعلم.
لكن على هذا التأويل الإقدام على الوطء سببا لوجوب الكفارة لم يثبت بهذا النص. إنما فيه أن الظهار يوجب تحريما مؤقتا بالكفارة. وكذلك الأحاديث التي ذكرنا أن النبي ﷺ أمر أوسا بالكفارة حين ظاهر من زوجه(٢٣) وإنما يعرف، من حيث الدلالة فإنه لما كان التحريم موقتا بالكفارة، وتكون رافعة له، فإنما يجب الرفع بالإقدام عليه لا بسبب سابق موجب للتحريم، لأن رافع الحرمة ﴿لا يجب﴾ (٢٤) في ما يوجب الحرمة كما ذكرنا في الوضوء أنه لا يجب ما يحدث الذي هو رافع للطهارة ولكن لما يوجب على المكلف الصلاة بالطهارة، ويجب عليه الوضوء بالإقدام على الصلاة التي لا تجوز بدونه. فكذلك هذا، والله أعلم.
وقول من جعل العود، هو العزم على إمساك النكاح والبقاء عليه فاسد فإن النبي ﷺ أوجب الكفارة على أوس ابن الصامت حين ظاهر من زوجه(٢٥)، ولم يسأله الإمساك والبقاء على النكاح ولأن تفسير العود الإمساك لا يستقيم، لأنه لم يعرف في الأصل إمساك المرأة عودا عليها ولا إمساك شيء من الأشياء يتكلم بالعود إليه فيكون هذا خلاف اللغة.
ولما ذكرنا ﴿أن العود﴾ (٢٦) إلى الشيء، هو الرجوع إلى ما كان عليه فيقتضي انعدامه وزواله حتى يتحقق العود إذ العود هو وجود ثان. وهذا إنما يتحقق في ما قلنا من الجزاء لأنه قد يبدل بالحرمة.
فأما العقد ﴿فإنه﴾ (٢٧) قائم لم يزل بالظهار، فكيف يعود إلى العقد، فلا يكون البقاء على العقد وإمساك المرأة بالنكاح عودا ؟ ولأن الله تعالى قال :﴿ثم يعودون﴾ و ﴿ثم﴾ يقتضي التراخي.
ومن جعل العود، هو الإمساك والبقاء على النكاح، فقد جعله عائدا عقيب القول بلا تراخ، وذلك خلاف ظاهر الآية.
وقول من جعل العود، هو العزيمة على الوطء، فلا معنى له، لأن الموجب الظهار، هو تحريم الوطء لا تحريم العزم على الوطء، وإن كانت العزيمة على المحظور محظورة لكونه وسيلة إلى المحظور، فيكون العود، هو الرجوع إلى ما يقوى به مقصودا لا وسيلة إلى حسب الأول، ولأنه لا حظ للعزيمة في حق تعلق الأحكام في سائر الأصول.
ألا ترى أن سائر العقود والتحريم لا يتعلق بالعزيمة، فلا اعتبار بها، وقد قال النبي ﷺ ( إن الله تعالى عفا عن أمتي ما حدثت به نفسها : ما لم يتكلموا به، ويعملوا ) ؟ ( الطحاوي في شرح مشكل الآثار ١٦٣٦ ).
وقول من جعل العود تكرار القول الأول فاسد أيضا، وإن كان ظاهر اللفظ يحتمل، وهو العود إلى القول الأول لأنه خلاف الإجماع وخلاف أصول الشرع.
أما خلاف الإجماع فإن السلف والخلف أجمعوا أن هذا ليس بوارد(٢٨) عن الأئمة فيكون قائله خارجا، عن الإجماع. وأما مخالفة الأصول فلأن الحل والحرمة إنما يتعلق وجوبهما بابتداء القول ﴿لا﴾ (٢٩) بتكراره في جميع الأصول من البيان عدا النكاح والطلاق والعتاق والإجارات.
فلما كان الأصل هذا في سائر الأسباب والمظاهر يوجب الحرمة بقوله، دل أن الموجب هو القول الأول دون الثاني : فيكون تعليق الحرمة بتكرار الموجب مخالفة لسائر الأصول.
وبهذا يبطل قول الشافعي في أنه يعلق الحرمة بتكرار الرضعات لا برضعة واحدة، والله اعلم.
ولأن النبي ﷺ أمر بالكفارة في حق أوس، ولم يسأله عن تكرار القول، ولما لم يسأل دل أن الحكم غير متعلق بالتكرار.
وما قاله الشافعي : إنه إذا طلقها بعد الظهار بلا فضل فلا كفارة عليه، وإن لبث ساعة، ثم طلقها كفّر، راجعها، أو لم يراجعها، أو ماتت، قول تفرد به، لأن طاووسا أوجب عليه الكفارة طلقها، أو أمسكها، وسائر التابعين قالوا : إن ماتت، أو طلقها، ولم يراجعها، فلا كفارة عليه، ولم يفصلوا بين أن يطلقها على إثر ﴿الظهار بأي﴾ (٣٠) فصل أو بعد ذلك بساعة فيكون الشافعي بهذا القول مخالفا للسلف فلا يعتبر، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسّا﴾ ظاهره أن يكون الوطء محظورا عليه قبل الكفارة لأنه جعل الحرمة مؤقتة بالكفارة، وإذا وطء يسقط الظهار والكفارة لأن كلاهما تعلق بشرط أو بوقت، فمتى فات ال
١ في الأصل وم: قوله..
٢ في الأصل وم: معه.
٣ من م، في الأصل: الإصابة بقي ز.
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل و م: لا..
٦ في الأصل وم: يرفعها.
٧ في الأصل و م: لم..
٨ ساقطة من الأصل و م.
٩ في الأصل و م: يجب.
١٠ من م، ساقطة من الأصل..
١١ في الأصل و م: بنا..
١٢ في الأصل و م: أي.
١٣ قي الأصل و م: أن يعودوا.
١٤ في الأصل و م: وينقضون ذلك ويردون.
١٥ في الأصل وم: قال.
١٦ ساقطة من الأصل و م.
١٧ في الأصل و م: هو..
١٨ أدرج بعدها في الأصل و م: وهذا.
١٩ في الأصل وم: ويقوم.
٢٠ في الأصل وم: العرض.
٢١ في الأصل وم: حيث.
٢٢ في الأصل وم: عند.
٢٣ في الأصل وم: زوجها.
٢٤ من م، ساقطة من الأصل.
٢٥ في الأصل وم: زوجها.
٢٦ ساقطة من الأصل وم.
٢٧ ساقطة من الأصل وم.
٢٨ في الأصل وم: بمراد.
٢٩ من نسخة الحرم المكي ساقطة من الأصل وم.
٣٠ في الأصل وم: الطلاق بلا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى