البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿فمن لم يجد﴾ : أي الرقبة ولا ثمنها، أو وجدها، أو ثمنها، وكان محتاجاً إلى ذلك، فقال أبو حنيفة : يلزمه العتق ولو كان محتاجاً إلى ذلك، ولا ينتقل إلى الصوم، وهو الظاهر.
وقال الشافعي : ينتقل إلى الصوم.
والشهران بالأهلة، وإن جاء أحدهما ناقصاً، أو بالعدد لا بالأهلة، فيصوم إلى الهلال، ثم شهراً بالهلال، ثم يتم الأول بالعدد.
والظاهر وجوب التتابع، فإن أفطر بغير عذر استأنف، أو بعذر من سفر ونحوه.
فقال ابن المسيب وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار والشعبي ومالك والشافعي : في أحد قوليه يبني.
وقال النخعي وابن جبير والحكم بن عيينة والثوري وأصحاب الرأي والشافعي : في أحد قوليه.
والظاهر أنه إن وجد الرقبة بعد أن شرع في الصوم، أنه يصوم ويجزئه، وهو مذهب مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة وأصحابه : يلزمه العتق، ولو وطىء في خلال الصوم بطل التتابع ويستأنف، وبه قال مالك وأبو حنيفة.
وقال الشافعي : يبطل إن جامع نهاراً لا ليلاً.
﴿فمن لم يستطع﴾ لصوم لزمانة به، أو كونه يضعف به ضعفاً شديداً، كما جاء في حديث أوس لما قال : هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ فقال : والله يا رسول الله إني إذا لم آكل في اليوم والليلة ثلاث مرات كل بصري وخشيت أن تعشو عيني.
والظاهر مطلق الإطعام، وتخصصه ما كانت العادة في الإطعام وقت النزول، وهو ما يشبع من غير تحديد بمدّ.
ومذهب مالك أنه مد وثلث بالمدّ النبوي، ويجب استيعاب العدد ستين عند مالك والشافعي، وهو الظاهر.
وقال أبو حنيفة وأصحابه : لو أطعم مسكيناً واحداً كل يوم نصف صاع حتى يكمل العدد أجزأه.
﴿ذلك لتؤمنوا﴾، قال ابن عطية : إشارة إلى الرجعة والتسهيل في الفعل من التحرير إلى الصوم والإطعام.
ثم شدّد تعالى بقوله :﴿وتلك حدود الله﴾ : أي فالزموها وقفوا عندها.
ثم توعد الكافرين بهذا الحكم الشرعي.
وقال الزمخشري : ذلك البيان والتعليم للأحكام والتنبيه عليها، لتصدقوا بالله ورسوله في العمل بشرائعه التي شرعها في الظهار وغيره، ورفض ما كنتم عليه من جاهليتكم، ﴿وتلك حدود الله﴾ التي لا يجوز تعديها، ﴿وللكافرين﴾ الذين لا يتبعونها ولا يعملون عليها ﴿عذاب أليم﴾. انتهى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى