تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي
عن الكتاب
الآية ٤ : وعلى هذا التأويل قوله تعالى ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسّا﴾ أي صوم شهرين، لا مسيس فيه، حتى لو واقعها في وقت لم يتم صوم شهرين بعد، يلزمه الاستئناف، وكان معناه : لا مسيس في خلال الكفارة فمتى وجد المسيس في وقت لم يتم الكفارة بعد يلزمه الاستئناف.
وتأويل قوله تعالى :﴿من قبل أن يتماسا﴾ عند أبي يوسف، رحمه الله، أن يعتق قبل وقت المسيس، ويصوم كذلك، ويقول : إن الآية خرجت لبيان وقت التكفير فيه، حتى إذا جامع امرأته في صوم الظهار أنه لا يستأنف الصوم، بل يصوم الباقي : إذ قد فات عن وقته، فصار قاضيا عما عليه، وليس بعد الجماع وقت لذلك الصوم، بل يكون ذلك على القضاء، فيجوز متفرقا ومتتابعا/٥٥٦ أ/ كصوم شهر رمضان لما تعين له وقت الأداء، ثم فات الوقت لا يجب متتابعا، بل يجوز متفرقا كذا.
هذا، ولا يتصور المسألة في الإعتاق لأنه لا يتجزأ عنده، ولا خلاف أنه إذا جامع بعدما أطعم ثلاثين مسكينا أنه لا يلزمه استئناف الطعام، ولا خلاف أنه إذا جامع امرأته في الكفارة لا يلزمه شيء سوى التوبة والاستغفار في قوله :﴿عند﴾ (١) عامة الفقهاء، وعند بعضهم يلزمه كفارتان وعند أبي (٢) يوسف رحمة الله تعالى عليه، ما ذكرنا : قد رأى بعضها في الوقت، وبعضها في غير الوقت، أولى من أداء الكل بعد الوقت، ولهذا المعنى في الطعام كذلك.
ولأبي حنيفة رحمة الله عليه، أن الظهار ليس يوجب الكفارة، ولكن يوجب حرمة، لا ترتفع إلا بالكفارة، ولا يؤمر هو بالكفارة مقصودا، ولكن أراد الاستمتاع بها يقال له : ليس لك ذلك بالكفارة فإذا كان كذلك، فإذا أدى بعضها، ثم ( ماسها، ثم ) (٣) أدى البقية، لم يصبر ما أدى بعد المماسة، فضاعف الوقت الذي قبل المماسة.
فإذا لم يصبر قضاء عن ذلك جعل كالنص، إنما جاء في هذه الحالة ( أن حرروا رقبة قبل أن تماسوا ثانيا، وصوموا شهرين متتابعين إذا أردتم العود إليها ) ( بنحوه أبو داود ٢٢١٣ ) ولذلك قال عليه الصلاة والسلام للمظاهر الذي جامع امرأته :( استغفر الله، ولا تعد حتى تكفّر ) ( الزمخشري في الكشاف ٦/٦٠ ).
لكن يدخل على هذا أمر الطعام : أنه إذا أطعم بعض الطعام ثم ماسها، لم يلزمه الاستئناف(٤)، والعبارة التي ذكرناها توجب الاستئناف، ولكن يستحسن في الطعام لأن الطعام وقع في الأصل متفرقا ؛ إذ لو أطعم بعضه للحال وبعضه بعد سنة فإنه جائز من ذي الجهة، لكن يدخل عليه الإعتاق عند أبي حنيفة، رحمه الله، فإنه إذا أعتق بعضه للحال وبعضه بعد سنة يجوز أيضا، ومع ذلك إذا وجد فيما بين ذلك يلزمه الاستئناف.
وما ذهب إليه أبو يوسف، رحمة الله عليه، من حمل الآية على بيان الوقت لا يصح، لأنا ( لو ) (٥) حملنا تأويل الآية نفسها(٦) على الوقت لا فائدة تقع في الآية لأن معرفة وقت ذلك ثابتة بدلالة العقل، وذلك أن قد علمنا إيجاب ﴿الحرمة﴾ (٧) بالظهار وعلمنا أن تلك الحرمة لا ترتفع ( إلا ) (٨) بالكفارة، فصار وقت الحل يذكر للحرمة معلوما. ولذلك هذا في جميع الحرمات من الطلاق وغيره أنه لا يرتفع إلا بسبب رفعه.
فلو حمل تأويل الآية على بيان الوقت لم يفد شيئا، ولو حمل على بيان إخلاء الكفارة على المسيس وعلى نفي المسيس خلال الكفّارة يفيد فائدة جديدة. فيكون هذا التأويل أحق وأولى.
ثم في الآية دلالة بأن ليس ذلك على بيان الوقت، هي قوله تعالى :﴿فمن لم يستطيع فإطعام ستين مسكينا﴾ ثم ذكر في العتق والصوم ترك المماسة، ولم يذكر ذلك في الإطعام، ولو كان ذلك على جعل الوقت له لكان يذكر فيه المماسة، إذ الكفارة إذا كانت عن شيء واحد، لا تختلف فيه أوقاتها، بل يكون وقتها واحدا. ولا يقال : إنما لم يذكر الوقت في الإطعام لأن ذكره في العتق والصوم ذكره في الإطعام، لأنه من أنواع هذه الكفارة، فذكر الوقت في بعض يكون ذكره في الباقي.
فإذا أدى بعضه في الوقت وبعضه في غير الوقت، كان أولى من أن يؤدي الكل في غير الوقت، لأنا نقول : ذكره في العتق والصوم لا يصلح أن يكون بيانا في الإطعام، لأن البيان على وجوه ثلاثة :
بيان نهاية وبيان كفاية وبيان تفضيل.
فأما بيان الكفاية فهو(٩) أن يكتفي ببيان الواحد والقليل عن الكل ليعرف ذلك بالاجتهاد والقياس على نظائره، فيدل على معنى مودع(١٠) فيه، وأنه محل الاجتهاد والتعليل.
وأما بيان النهاية فهو أن يبين الكل على المبالغة حتى لا يبقى للاجتهاد فيه موضع.
وأما بيان التفصيل فهو(١١) الذي يبين في أكثره، ولا يبلغ به نهايته، فهو في ما يبين لا يتعدى إلى غيره، إذ لو كان فيه معنى مودع(١٢) يجمع الكل لم يكن لذكر الزائد عليه وترك بعضه معنى.
وهاهنا بيان تفصيل دون كفاية، إذ لم(١٣) يكتف بذكره في واحد، ولا هو بيان نهاية، إذ لم ينه البيان في الكل، فهو بيان التفصيل الذي ذكرنا أنه يقر(١٤) في المذكور، ولا يتعدى إلى غيره، ولو كان ذكر ذلك لبيان الوقت لاكتفى بذكره في الواحد عن الكل على المبالغة.
فلما ذكر على بيان التفصيل دل أنه ليس لبيان الوقت، ولكن لنفي المسيس خلال الصوم والعتق المذكورين دون الطعام الذي لم يذكر فيه، ويبين أن إخلاء الصوم والعتق من المسيس حكم عرفناه بالنص غير معقول، المعنى، فلا يتعدى عنه إلى غيره.
ويكون مثاله ما ذكر في قوله تعالى :﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا﴾ الآية ﴿النساء : ٩٢﴾ على ما عرف في موضعه.
والحاصل في المسألة طريقان : أحدهما : بحق القياس، والآخر بحق الاحتياط.
أما القياس فما(١٥) ذكرنا أن قوله تعالى :﴿من قبل أن يتماسا﴾ لإخلاء الصوم من المسيس ﴿ونفي المسيس﴾ (١٦) عن خلال الكفارة. لكن إنما ذكره في الإعتاق والصوم دون الإطعام. فدلنا ذلك على أنه بيان تفصيل فيكون دليلا على قصر الحكم على المنصوص ومنع التعدية إلى غيره لما هو علم أن العقول تقصر عن إدراك ذلك المعنى، فجعل(١٧) نفي المسيس عن خلال الصوم والعتق واجبا بالنص حتى لا يكون كفارة بدونه، ولم يجعل في باب الإطعام شرطا.
وأما طريق الاحتياط وهو أنه لما احتمل أن يكون لبيان الوقت ولنفي المسيس عن خلال الصوم فأخذ فيه بالاحتياط، وفي الإطعام أخذ بالقياس لما أنه لم يذكر فيه المسيس وذكره في الصوم والعتق لم يكن بيان كفاية حتى يكون ذكره ذكرا في الطعام، بل هو بيان تفصيل، وأن حكمه القصر على المنصوص دون التعدي، والله أعلم.
وفي الآية دلالة لصحة مذهب أبي حنيفة، رحمة الله عليه، في أن العتق يحتمل التجزئة، وهو أن يعتق بعضه، ويبقي الباقي بحالة، ثم يعتقه بأوقات بعده، إذ قال :﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ أي تحرير رقبة لا مماسة في التكفير.
ولو كان بعض العتق يوجب عتق الكل لكان لا يفيد قوله :﴿من قبل أن يتماسا﴾ ألا يقع العتق إلا قبل المماسة. فلما قال دل أنه أراد، والله أعلم، ألا تمسوهن عندما أعتقتم بعضه، ولم تعتقوا الكل حتى يكمل، ويتم فيه الإعتاق، ولهذا قال : إنه يلزمه الاستئناف في العتق كما في الصوم.
فدل أن الإعتاق متجزئ والله أعلم.
ثم جعل الكفارة فيه ما ذكرنا، ولم يجعل الكفارة فيه التوبة والاستغفار فقط لوجهين :
أحدهما : أنه لو جعل توبته به لكان لا يظهر ذلك، وأنه أمر بينه وبين المرأة، فلا يدري أن تاب، أو لم يتب، وربما يظهر التوبة بالقول، وإنه لم يتب حقيقة بقلبه، فتتهمه المرأة. فجعل التوبة فيه أمرا ظاهرا تعرف به توبته دفعا للتهمة عنه وتسكينا لقلب المرأة، والله أعلم.
والثاني : أن الله تعالى جعل الاستمتاع /٥٥٦ت ب/ في النكاح نعمة عظيمة، فتشبيهها بالمحرم الذي تتأبد حرمته أمر فظيع، فلم يجعل له الخروج منه شيئا(١٨) لا يثقل عليه، فيقدم ثانيا وثالثا لخفة أمره عليه، بل جعل ما يتألم عليه، ويشتد عليه زجرا له عن مثله في المستقبل ولغيره كما في الزنى وغيره من الإجرام.
ثم لم يجعل تلك اليمين للاستمتاع خاصة، ولا(١٩) أبيح لهم ذلك، ولا جعل لهن قبل السادات حق الاستمتاع فلم يصر تشبيههن بمن ذكر كفران نعمة ولا إبطال حق لهن قبل مواليهن لذلك افترقا، والله أعلم.
وقيل : إن الظهار كان طلاق قوم، فأبدل إلى تحريم المتعة، ولم يكن للإماء حظ من الظهار(٢٠) وهو الطلاق، ولم يكن لهن من الذي صاروا(٢١) إليه، ولكن إن ثبت هذا كان طلاقا، يوجب حرمة، لا ترتفع أبدا، لا طلاقا يوجب حرمة ترتفع بالنكاح ﴿على﴾ (٢٢) ما تقدم ذكره.
والإماء(٢٣) لم يكن لهن حظ من هذا التحريم لعدم قصور ملك النكاح مع ملك اليمين، فإما لهن حظ من الحرمة المؤبدة بالمحرمية ؛ فإن كانت تلك الحرمة، هي الأصل وهن أصل لها مع قيام ملك اليمين، يكن أهلا لما ينتقل إليه من الحرمة المؤقتة دل أن الطريق ما قلنا، والله أعلم.
وفي الآية جواز تأخير البيان لأن ذلك الرجل لما ظاهر من امرأته ﴿اشتدت به﴾ (٢٤) الحاجة إلى معرفة ما يجب من الأحكام، ثم تأخر نزول بيان ما يجب بعد طلبه(٢٥) من عند رسول الله ﷺ بيان الحكم، فدل أن البيان قد يجوز أن يتأخر عن وقت قرع الخطاب السمع.
وهذا أولى لأن في الأول قد ظهرت الحاجة، واشتدت لوقوع النازلة، وفي نزول العام الذي أريد به المخصوص لا. وكذلك على هذا ما نزل من أحكام الإيلاء والقاذف زوجته بعد وقوع النازلة بأوقات دليل على ما ذكرنا، والله أعلم.
ثم جل صيام شهرين بدلا عن العتق في كفارة الظهار والقتل وكفارة الإفطار في شهر رمضان، وجعل في كفارة اليمين صوم ثلاثة أيام بدلا عن العتق، وقد ذكرنا الوجه في ذلك في ما تقدم، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله﴾ ذكر صاحب الواضح أن قوله :﴿ذلك﴾ أي بذلك أمرتم، ونهيتم ﴿لتؤمنوا﴾.
ولكن عندنا تأويل قوله تعالى :﴿ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله﴾ هو صلة قوله تعالى :﴿قد سمع قول التي تجادلك في زوجها﴾ الآية :﴿المجادلة : ١﴾ يقول : أخبركم بما كان ذلك منكم في السر، وأطلعكم على ذلك، ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله﴾ أي لتصدقوا، وتعلموا أنه لا يخفى على الله من أعمالكم شيء.
ومنهم من قال :﴿ذلك﴾ راجع إلى قوله :﴿والله يسمع تحاوركما﴾ أي الفرج والمخرج عما امتحنتم(٢٦) به من الحرمة وما اشتد عليكم ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله﴾ لما فرج عنكم بالخروج بما ذكر والله أعلم.
ومنهم من قال :﴿ذلك﴾ القول المنكر والزور الذي قلتم، وأعلمكم أنه منكر وزور ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله﴾ فيخرج ﴿ذلك﴾ على الأمر بالشكر له ما أنعم عليهم، وجعل لهم من الفرج والمخرج عما امتحنوا بأدائها.
وهكذا العبادات التي أمروا بها، أمروا لإحدى ثلاث خلال : إما لحق الشكر بما أنعم عليهم، وإما(٢٧) للتسليم والخضوع، وإما(٢٨) لحق الاستغفار والتكفير بما سبق من التفريط والتقصير، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله تعالى :﴿لتؤمنوا بالله ورسوله﴾ على غير هذا، أي أنزل ذلك الذي أنزل لتؤمنوا، أي لتجددوا الإيمان بالله تعالى ورسوله في كل وقت وكل ساعة، إذ يلزم الناس إحداث الإيمان وتجديده لإحداث الرخص والعزائم التي تجددت، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وتلك حدود الله﴾ قيل : أي الذي افترضه ال
وتأويل قوله تعالى :﴿من قبل أن يتماسا﴾ عند أبي يوسف، رحمه الله، أن يعتق قبل وقت المسيس، ويصوم كذلك، ويقول : إن الآية خرجت لبيان وقت التكفير فيه، حتى إذا جامع امرأته في صوم الظهار أنه لا يستأنف الصوم، بل يصوم الباقي : إذ قد فات عن وقته، فصار قاضيا عما عليه، وليس بعد الجماع وقت لذلك الصوم، بل يكون ذلك على القضاء، فيجوز متفرقا ومتتابعا/٥٥٦ أ/ كصوم شهر رمضان لما تعين له وقت الأداء، ثم فات الوقت لا يجب متتابعا، بل يجوز متفرقا كذا.
هذا، ولا يتصور المسألة في الإعتاق لأنه لا يتجزأ عنده، ولا خلاف أنه إذا جامع بعدما أطعم ثلاثين مسكينا أنه لا يلزمه استئناف الطعام، ولا خلاف أنه إذا جامع امرأته في الكفارة لا يلزمه شيء سوى التوبة والاستغفار في قوله :﴿عند﴾ (١) عامة الفقهاء، وعند بعضهم يلزمه كفارتان وعند أبي (٢) يوسف رحمة الله تعالى عليه، ما ذكرنا : قد رأى بعضها في الوقت، وبعضها في غير الوقت، أولى من أداء الكل بعد الوقت، ولهذا المعنى في الطعام كذلك.
ولأبي حنيفة رحمة الله عليه، أن الظهار ليس يوجب الكفارة، ولكن يوجب حرمة، لا ترتفع إلا بالكفارة، ولا يؤمر هو بالكفارة مقصودا، ولكن أراد الاستمتاع بها يقال له : ليس لك ذلك بالكفارة فإذا كان كذلك، فإذا أدى بعضها، ثم ( ماسها، ثم ) (٣) أدى البقية، لم يصبر ما أدى بعد المماسة، فضاعف الوقت الذي قبل المماسة.
فإذا لم يصبر قضاء عن ذلك جعل كالنص، إنما جاء في هذه الحالة ( أن حرروا رقبة قبل أن تماسوا ثانيا، وصوموا شهرين متتابعين إذا أردتم العود إليها ) ( بنحوه أبو داود ٢٢١٣ ) ولذلك قال عليه الصلاة والسلام للمظاهر الذي جامع امرأته :( استغفر الله، ولا تعد حتى تكفّر ) ( الزمخشري في الكشاف ٦/٦٠ ).
لكن يدخل على هذا أمر الطعام : أنه إذا أطعم بعض الطعام ثم ماسها، لم يلزمه الاستئناف(٤)، والعبارة التي ذكرناها توجب الاستئناف، ولكن يستحسن في الطعام لأن الطعام وقع في الأصل متفرقا ؛ إذ لو أطعم بعضه للحال وبعضه بعد سنة فإنه جائز من ذي الجهة، لكن يدخل عليه الإعتاق عند أبي حنيفة، رحمه الله، فإنه إذا أعتق بعضه للحال وبعضه بعد سنة يجوز أيضا، ومع ذلك إذا وجد فيما بين ذلك يلزمه الاستئناف.
وما ذهب إليه أبو يوسف، رحمة الله عليه، من حمل الآية على بيان الوقت لا يصح، لأنا ( لو ) (٥) حملنا تأويل الآية نفسها(٦) على الوقت لا فائدة تقع في الآية لأن معرفة وقت ذلك ثابتة بدلالة العقل، وذلك أن قد علمنا إيجاب ﴿الحرمة﴾ (٧) بالظهار وعلمنا أن تلك الحرمة لا ترتفع ( إلا ) (٨) بالكفارة، فصار وقت الحل يذكر للحرمة معلوما. ولذلك هذا في جميع الحرمات من الطلاق وغيره أنه لا يرتفع إلا بسبب رفعه.
فلو حمل تأويل الآية على بيان الوقت لم يفد شيئا، ولو حمل على بيان إخلاء الكفارة على المسيس وعلى نفي المسيس خلال الكفّارة يفيد فائدة جديدة. فيكون هذا التأويل أحق وأولى.
ثم في الآية دلالة بأن ليس ذلك على بيان الوقت، هي قوله تعالى :﴿فمن لم يستطيع فإطعام ستين مسكينا﴾ ثم ذكر في العتق والصوم ترك المماسة، ولم يذكر ذلك في الإطعام، ولو كان ذلك على جعل الوقت له لكان يذكر فيه المماسة، إذ الكفارة إذا كانت عن شيء واحد، لا تختلف فيه أوقاتها، بل يكون وقتها واحدا. ولا يقال : إنما لم يذكر الوقت في الإطعام لأن ذكره في العتق والصوم ذكره في الإطعام، لأنه من أنواع هذه الكفارة، فذكر الوقت في بعض يكون ذكره في الباقي.
فإذا أدى بعضه في الوقت وبعضه في غير الوقت، كان أولى من أن يؤدي الكل في غير الوقت، لأنا نقول : ذكره في العتق والصوم لا يصلح أن يكون بيانا في الإطعام، لأن البيان على وجوه ثلاثة :
بيان نهاية وبيان كفاية وبيان تفضيل.
فأما بيان الكفاية فهو(٩) أن يكتفي ببيان الواحد والقليل عن الكل ليعرف ذلك بالاجتهاد والقياس على نظائره، فيدل على معنى مودع(١٠) فيه، وأنه محل الاجتهاد والتعليل.
وأما بيان النهاية فهو أن يبين الكل على المبالغة حتى لا يبقى للاجتهاد فيه موضع.
وأما بيان التفصيل فهو(١١) الذي يبين في أكثره، ولا يبلغ به نهايته، فهو في ما يبين لا يتعدى إلى غيره، إذ لو كان فيه معنى مودع(١٢) يجمع الكل لم يكن لذكر الزائد عليه وترك بعضه معنى.
وهاهنا بيان تفصيل دون كفاية، إذ لم(١٣) يكتف بذكره في واحد، ولا هو بيان نهاية، إذ لم ينه البيان في الكل، فهو بيان التفصيل الذي ذكرنا أنه يقر(١٤) في المذكور، ولا يتعدى إلى غيره، ولو كان ذكر ذلك لبيان الوقت لاكتفى بذكره في الواحد عن الكل على المبالغة.
فلما ذكر على بيان التفصيل دل أنه ليس لبيان الوقت، ولكن لنفي المسيس خلال الصوم والعتق المذكورين دون الطعام الذي لم يذكر فيه، ويبين أن إخلاء الصوم والعتق من المسيس حكم عرفناه بالنص غير معقول، المعنى، فلا يتعدى عنه إلى غيره.
ويكون مثاله ما ذكر في قوله تعالى :﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا﴾ الآية ﴿النساء : ٩٢﴾ على ما عرف في موضعه.
والحاصل في المسألة طريقان : أحدهما : بحق القياس، والآخر بحق الاحتياط.
أما القياس فما(١٥) ذكرنا أن قوله تعالى :﴿من قبل أن يتماسا﴾ لإخلاء الصوم من المسيس ﴿ونفي المسيس﴾ (١٦) عن خلال الكفارة. لكن إنما ذكره في الإعتاق والصوم دون الإطعام. فدلنا ذلك على أنه بيان تفصيل فيكون دليلا على قصر الحكم على المنصوص ومنع التعدية إلى غيره لما هو علم أن العقول تقصر عن إدراك ذلك المعنى، فجعل(١٧) نفي المسيس عن خلال الصوم والعتق واجبا بالنص حتى لا يكون كفارة بدونه، ولم يجعل في باب الإطعام شرطا.
وأما طريق الاحتياط وهو أنه لما احتمل أن يكون لبيان الوقت ولنفي المسيس عن خلال الصوم فأخذ فيه بالاحتياط، وفي الإطعام أخذ بالقياس لما أنه لم يذكر فيه المسيس وذكره في الصوم والعتق لم يكن بيان كفاية حتى يكون ذكره ذكرا في الطعام، بل هو بيان تفصيل، وأن حكمه القصر على المنصوص دون التعدي، والله أعلم.
وفي الآية دلالة لصحة مذهب أبي حنيفة، رحمة الله عليه، في أن العتق يحتمل التجزئة، وهو أن يعتق بعضه، ويبقي الباقي بحالة، ثم يعتقه بأوقات بعده، إذ قال :﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ أي تحرير رقبة لا مماسة في التكفير.
ولو كان بعض العتق يوجب عتق الكل لكان لا يفيد قوله :﴿من قبل أن يتماسا﴾ ألا يقع العتق إلا قبل المماسة. فلما قال دل أنه أراد، والله أعلم، ألا تمسوهن عندما أعتقتم بعضه، ولم تعتقوا الكل حتى يكمل، ويتم فيه الإعتاق، ولهذا قال : إنه يلزمه الاستئناف في العتق كما في الصوم.
فدل أن الإعتاق متجزئ والله أعلم.
ثم جعل الكفارة فيه ما ذكرنا، ولم يجعل الكفارة فيه التوبة والاستغفار فقط لوجهين :
أحدهما : أنه لو جعل توبته به لكان لا يظهر ذلك، وأنه أمر بينه وبين المرأة، فلا يدري أن تاب، أو لم يتب، وربما يظهر التوبة بالقول، وإنه لم يتب حقيقة بقلبه، فتتهمه المرأة. فجعل التوبة فيه أمرا ظاهرا تعرف به توبته دفعا للتهمة عنه وتسكينا لقلب المرأة، والله أعلم.
والثاني : أن الله تعالى جعل الاستمتاع /٥٥٦ت ب/ في النكاح نعمة عظيمة، فتشبيهها بالمحرم الذي تتأبد حرمته أمر فظيع، فلم يجعل له الخروج منه شيئا(١٨) لا يثقل عليه، فيقدم ثانيا وثالثا لخفة أمره عليه، بل جعل ما يتألم عليه، ويشتد عليه زجرا له عن مثله في المستقبل ولغيره كما في الزنى وغيره من الإجرام.
ثم لم يجعل تلك اليمين للاستمتاع خاصة، ولا(١٩) أبيح لهم ذلك، ولا جعل لهن قبل السادات حق الاستمتاع فلم يصر تشبيههن بمن ذكر كفران نعمة ولا إبطال حق لهن قبل مواليهن لذلك افترقا، والله أعلم.
وقيل : إن الظهار كان طلاق قوم، فأبدل إلى تحريم المتعة، ولم يكن للإماء حظ من الظهار(٢٠) وهو الطلاق، ولم يكن لهن من الذي صاروا(٢١) إليه، ولكن إن ثبت هذا كان طلاقا، يوجب حرمة، لا ترتفع أبدا، لا طلاقا يوجب حرمة ترتفع بالنكاح ﴿على﴾ (٢٢) ما تقدم ذكره.
والإماء(٢٣) لم يكن لهن حظ من هذا التحريم لعدم قصور ملك النكاح مع ملك اليمين، فإما لهن حظ من الحرمة المؤبدة بالمحرمية ؛ فإن كانت تلك الحرمة، هي الأصل وهن أصل لها مع قيام ملك اليمين، يكن أهلا لما ينتقل إليه من الحرمة المؤقتة دل أن الطريق ما قلنا، والله أعلم.
وفي الآية جواز تأخير البيان لأن ذلك الرجل لما ظاهر من امرأته ﴿اشتدت به﴾ (٢٤) الحاجة إلى معرفة ما يجب من الأحكام، ثم تأخر نزول بيان ما يجب بعد طلبه(٢٥) من عند رسول الله ﷺ بيان الحكم، فدل أن البيان قد يجوز أن يتأخر عن وقت قرع الخطاب السمع.
وهذا أولى لأن في الأول قد ظهرت الحاجة، واشتدت لوقوع النازلة، وفي نزول العام الذي أريد به المخصوص لا. وكذلك على هذا ما نزل من أحكام الإيلاء والقاذف زوجته بعد وقوع النازلة بأوقات دليل على ما ذكرنا، والله أعلم.
ثم جل صيام شهرين بدلا عن العتق في كفارة الظهار والقتل وكفارة الإفطار في شهر رمضان، وجعل في كفارة اليمين صوم ثلاثة أيام بدلا عن العتق، وقد ذكرنا الوجه في ذلك في ما تقدم، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله﴾ ذكر صاحب الواضح أن قوله :﴿ذلك﴾ أي بذلك أمرتم، ونهيتم ﴿لتؤمنوا﴾.
ولكن عندنا تأويل قوله تعالى :﴿ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله﴾ هو صلة قوله تعالى :﴿قد سمع قول التي تجادلك في زوجها﴾ الآية :﴿المجادلة : ١﴾ يقول : أخبركم بما كان ذلك منكم في السر، وأطلعكم على ذلك، ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله﴾ أي لتصدقوا، وتعلموا أنه لا يخفى على الله من أعمالكم شيء.
ومنهم من قال :﴿ذلك﴾ راجع إلى قوله :﴿والله يسمع تحاوركما﴾ أي الفرج والمخرج عما امتحنتم(٢٦) به من الحرمة وما اشتد عليكم ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله﴾ لما فرج عنكم بالخروج بما ذكر والله أعلم.
ومنهم من قال :﴿ذلك﴾ القول المنكر والزور الذي قلتم، وأعلمكم أنه منكر وزور ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله﴾ فيخرج ﴿ذلك﴾ على الأمر بالشكر له ما أنعم عليهم، وجعل لهم من الفرج والمخرج عما امتحنوا بأدائها.
وهكذا العبادات التي أمروا بها، أمروا لإحدى ثلاث خلال : إما لحق الشكر بما أنعم عليهم، وإما(٢٧) للتسليم والخضوع، وإما(٢٨) لحق الاستغفار والتكفير بما سبق من التفريط والتقصير، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله تعالى :﴿لتؤمنوا بالله ورسوله﴾ على غير هذا، أي أنزل ذلك الذي أنزل لتؤمنوا، أي لتجددوا الإيمان بالله تعالى ورسوله في كل وقت وكل ساعة، إذ يلزم الناس إحداث الإيمان وتجديده لإحداث الرخص والعزائم التي تجددت، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وتلك حدود الله﴾ قيل : أي الذي افترضه ال
١ ساقطة من الأصل وم.
٢ في الأصل وم: لأبي.
٣ من م، ساقطة من الأصل.
٤ في الأصل وم: الاستقبال.
٥ من م، ساقطة من الأصل.
٦ أدرجت في الأصل وم، بعد الوقت.
٧ من م، ساقطة من الأصل.
٨ من م، ساقطة من الأصل.
٩ في الأصل وم: وهو.
١٠ في الأصل وم: موعود.
١١ الفاء ساقطة من الأصل وم.
١٢ في الأصل وم: مودعا.
١٣ أدرج قبلها في الأصل وم: لو.
١٤ من م، في الأصل ك يقرأ.
١٥ الفاء ساقطة من الأصل وم.
١٦ ساقطة من م..
١٧ في الأصل وم: فجعلنا.
١٨ في الأصل وم: شيء.
١٩ في الأصل وم: أن.
٢٠ في الأصل وم: الطلاق.
٢١ أدرج بعدها في الأصل وم: ينقل.
٢٢ من م، ساقطة من الأصل.
٢٣ في الأصل وم: والأمة.
٢٤ في الأصل وم: اشتد بهم.
٢٥ في الأصل وم: طلبهم.
٢٦ في الأصل وم: امتحنهم.
٢٧ في الأصل وم: أو.
٢٨ في الأصل وم: أو.
٢ في الأصل وم: لأبي.
٣ من م، ساقطة من الأصل.
٤ في الأصل وم: الاستقبال.
٥ من م، ساقطة من الأصل.
٦ أدرجت في الأصل وم، بعد الوقت.
٧ من م، ساقطة من الأصل.
٨ من م، ساقطة من الأصل.
٩ في الأصل وم: وهو.
١٠ في الأصل وم: موعود.
١١ الفاء ساقطة من الأصل وم.
١٢ في الأصل وم: مودعا.
١٣ أدرج قبلها في الأصل وم: لو.
١٤ من م، في الأصل ك يقرأ.
١٥ الفاء ساقطة من الأصل وم.
١٦ ساقطة من م..
١٧ في الأصل وم: فجعلنا.
١٨ في الأصل وم: شيء.
١٩ في الأصل وم: أن.
٢٠ في الأصل وم: الطلاق.
٢١ أدرج بعدها في الأصل وم: ينقل.
٢٢ من م، ساقطة من الأصل.
٢٣ في الأصل وم: والأمة.
٢٤ في الأصل وم: اشتد بهم.
٢٥ في الأصل وم: طلبهم.
٢٦ في الأصل وم: امتحنهم.
٢٧ في الأصل وم: أو.
٢٨ في الأصل وم: أو.