اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى﴾ الآية، قيل : هم اليهود، وقيل : هم المنافقون، وقيل : فريق من الكفار، وقيل : فريق من المسلمين، لما روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال :«كنا ذات ليلةٍ نتحدَّث إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال :«مَا هَذِهِ النَّجْوَى » ؟ فقلنا : تُبْنَا إلى الله يا رسول الله ﷺ إنا كُنَّا في ذكر المسيح، يعني : الدجال فرقاً منه، فقال رسول الله ﷺ :«ألا أخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أخْوَفُ عِنْدِي مِنْهُ ؟ » قلنا : بلى، يا رسول الله ﷺ، قال :«الشِّرْكُ الخَفِيُّ أن يَقُومَ الرَّجلُ يعْمَلُ لمكانِ رَجُل »(١). ذكره الماوردي.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم، وينظرون للمؤمنين، ويتغامزون بأعينهم، فقال المؤمنون : لعلهم بلغهم عن إخواننا وقرابتنا من المهاجرين والأنصار قتل، أو مصيبة، أو هزيمة ؛ ويسوؤهم ذلك، وكثرت شكواهم إلى رسول الله ﷺ فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا(٢)، فنزلت الآية.
وقال مقاتل : كان بين النبي ﷺ وبين اليهود موادعة، فإذا مرَّ بهم رجل من المؤمنين تناجوا بينهم حتى يظنّ المؤمن شرًّا، فيعرج عن طريقه فنهاهم الله - سبحانه - فلم ينتهوا فنزلت(٣).
وقال عبد الرحمان بن زيد بن أسلم : كان الرجل يأتي النبي ﷺ فيسأله الحاجة ويناجيه، والأرض يومئذ خرب فيتوهّموا أنه يناجيه في حرب أو بليَّة أو أمر فيفزعون لذلك فنزلت(٤).
قال ابن الخطيب(٥) رحمه الله : والأولى أن تكون نزلت في اليهود ؛ لأنه - عز وجل - حكى عنهم، فقال :﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله﴾ وهذا إنما وقع من اليهود، كانوا إذا سلموا على الرسول ﷺ قالوا : السَّامُ عليكم، يعنون الموت.
قوله :﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ أي : يرجعون إلى المُناجاة التي نهوا عنها.
قوله :﴿ويَتَنَاجَوْنَ﴾، قرأ(٦) حمزة :«وينْتَجُون » بغير ألف من «الانتجاء » من «النجوى » على وزن «يَفْتَعلُون ».
والباقون :«ويتناجون » من «التَّناجي » من «النجوى » أيضاً.
قال أبو علي(٧) : والافتعال، والتفاعل يجريان مجرى واحداً، ومن ثمَّ صححوا «ازْدَوجُوا واعتورُوا » لما كانا في معنى تزاوجوا وتعاوروا، وجاء ﴿حتى إِذَا ادّاركوا﴾ [الأعراف: ٢٨] وادَّرَكُوا.
قال شهاب الدين(٨) : ويؤيد قراءة العامة الإجماع على تناجيهم، و«فلا تتناجوا » و«تناجوا »، فهذا من «التفاعل » لا غير، إلاَّ ما روي عن عبد الله، أنه قرأ(٩) ﴿إذا انْتَجَيْتُم فلا تنتجوا﴾.
ونقل أبو حيان(١٠) عن الكوفيين والأعمش :«فلا تنتجوا » كقراءة عبد الله.
وأصل :«تَنْتَجُونَ » «تَنْتَجِيونَ » و«تَنَاجَوْن » فاستثقلت الضَّمَّة على الياء، فحذفت فالتقى ساكنان فحذفت لالتقائهما، أو تقول : تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله، فقلبت ألفاً فالتقى ساكنان، فحذف أولهما وبقيت الفتحة دالة على الألف(١١).
قوله :﴿بالإثم والعدوان﴾، قرأ أبو حيوة(١٢) :«بالعِدْوان » بكسر العين. والمراد «بالإثم والعدوان » : الكذب والظلم، ﴿وَمَعْصِيَة الرسول﴾ ﷺ مخالفته.
وقرأ الضَّحاك(١٣) :«ومعصيات الرَّسُول » ﷺ.
قوله :﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله﴾، قال القرطبي(١٤) : لا خلاف بين أهل النقل أن المراد به اليهود، وكانوا إذا سلموا على النبي ﷺ قالوا : السَّام عليك يعنون الموت. كما روت عائشة - رضي الله عنها - «أن اليهود أتوا النبي ﷺ فقالوا : السَّام عليك، قال النبي ﷺ :«عَلَيْكُمْ » فقالت عائشة رضي الله عنها : السَّام عليكم، ولعنة الله، وغضبه عليكم، فقال رسول الله ﷺ :«مَهْلاً يا عَائِشَةُ، عليْكِ بالرِّفْقِ وإيَّاكِ والعُنْفَ والفُحْشَ »، قالت : أو لم تسمع ما قالوا يا رسول الله ؟، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك «أو لَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ ورَدَدْتُ عليْهِمْ فَيُسْتجَابُ لي فيْهِمْ ولا يُسْتجابُ لهُمْ فِيْ ؟ »(١٥).
وقال النبي ﷺ عند ذلك :«إذَا سَلَّمَ عَليْكُمْ أهْلُ الكتابِ، فقُولُوا : علَيْكَ مَا قُلْتَ »، فأنزل الله تعالى :﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله﴾(١٦).
وروى أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله ﷺ :«إذَا سَلمَ علَيْكُمْ أهْلُ الكتابِ فقُولُوا : وعَليْكُمْ »(١٧) بالواو.
فقال بعض العلماء رضي الله عنهم : إن الواو العاطفة تقتضي التشريك، فيلزم منه أن يدخل معهم فيما دعوا به علينا من الموت، أو من سآمة ديننا وهو الهلاك، يقال : سَئِمَ يَسْأمُ سَآمةً وسَآماً. وقال بعضهم «الواو » زائدة كما زيدت في قول الشاعر :[ الطويل ]
فَلَمَّا أجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وانْتَحَى ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (١٨)، أي : لما أجزنا انتحى، فزاد «الواو ».
وقال آخرون : هي للإستئناف، كأنه قال : والسام عليكم، وقال آخرون : هي على بابها من العطف ولا يضرنا ذلك ؛ لأنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا كما تقدم في قوله ﷺ ل «عائشة » رضي الله عنها.

فصل في رد السَّلام على أهل الذمة :


اختلفوا في ردّ السَّلام على أهل الذِّمة(١٩)، فقال ابن عباس والشعبي وقتادة : هو واجب لظاهر الأمْرِ بذلك. وقال مالك رضي الله عنه : ليس بواجب، فإن رددت فقل : عليك.
وقال بعضهم : نقول في الرد : علاك السَّلام، أي : ارتفع عنك. وقال بعض المالكية : تقول في الرد : السلام عليك - بكسر السين - يعني الحجارة.
قوله تعالى :﴿وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا﴾، هذه الجملة التحضيضية في موضع نصب بالقول(٢٠)، ومعنى الآية : أن اليهود - لعنهم الله - لما كانوا يقولون : السام عليك، ويوهمون أنهم يسلمون، وكان النبي ﷺ يرد عليهم بقوله :«عليكم » فإذا خرجوا قالوا :«لولا يعذبنا الله » أي : هلا يعذبنا بما نقول، أي : لو كان نبيًّا لعذبنا الله بما نقول.
وقيل : قالوا : إنه يرد علينا، ويقول : وعليكم السَّام، فلو كان نبيًّا لاستجيب له فينا ومتنا، وهذا موضع تعجب منهم، فإنهم كانوا أهل الكتاب، وكانوا يعلمون أنَّ الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - قد يغضبون، فلا يعاجل من يغضبهم بالعذاب(٢١).
قوله :﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي : كافيهم جهنم عقاباً غداً ﴿يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المصير﴾.
١ أخرجه ابن ماجه (٢/١٤٠٦)، كتاب الزهد، باب: الرياء والسمعة حديث (٤٢٠٤)، وأحمد (٣/٣٠) والحاكم (٤/٣٢٩)، من طريق كثير بن زيد عن ربيح بن عبد الرحمان بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن أبي سعيد به.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
وقال البوصيري في "الزوائد" (٣/٢٩٦)، رقم (١٤٩٨): هذا إسناد حسن كثير بن زيد وربيح بن عبد الرحمان مختلف فيهما.
وذكره الماوردي في النكت والعيون ٥/٤٩١، والقرطبي ١٧/١٨٩..

٢ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٧/١٨٩)..
٣ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٦٩) وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان..
٤ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٧/١٨٩)..
٥ التفسير الكبير ٢٩/٢٣١..
٦ ينظر: السبعة ٦٢٨، والحجة ٦/٢٧٨، وإعراب القراءات ٢/٣٥٥، وحجة القراءات ٧٠٤، والعنوان ١٨٧، وشرح الطيبة ٦/٤٥، وشرح شعلة ٥٩٩، وإتحاف ٢/٥٢٦..
٧ ينظر: الحجة ٦/٢٨٠..
٨ ينظر: الدر المصون ٦/٢٨٨..
٩ ينظر: الكشاف ٤/٤٩١..
١٠ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٣٤..
١١ ينظر: الدر المصون ٦/٢٨٨..
١٢ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٢٧٧، والبحر المحيط ٨/٢٣٤، والدر المصون ٦/٢٨٨..
١٣ ينظر: الكشاف ٤/٤٩١، والمحرر الوجيز ٥/٢٧٧، والرازي ٢٩/٢٣٢، والبحر المحيط ٨/٢٣٤، والدر المصون ٦/٢٨٨..
١٤ الجامع لأحكام القرآن ١٧/١٨٩..
١٥ أخرجه البخاري ١١/٤٤، في كتاب الاستئذان باب: كيف الرد على أهل الذمة بالسلام (٦٢٥٦)، ومسلم ٤/١٧٠٦، في كتاب السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام (١٠/٢١٦٥)..
١٦ أخرجه ابن أبي شيبة (٨/٤٤٢)، والترمذي (٥/٣٧٩ - ٣٨٠) رقم (٣٣٠١)، وابن ماجه (٢/١٢١٩)، رقم (٣٦٩٧) من حديث أنس وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح..
١٧ ينظر الحديث السابق..
١٨ تقدم..
١٩ ينظر: القرطبي ١٧/١٩٠..
٢٠ ينظر: الدر المصون ٦/٢٨٨..
٢١ ينظر القرطبي ١٧/١٩١..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى