الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿مَنْ خَلَقَ﴾ : فيه وجهان، أحدُهما : أنه فاعلُ " يَعْلَمُ " والمفعول محذوفٌ تقديرُه : ألا يعلم الخالقُ خَلْقَه، وهذا هو الذي عليه جمهورُ الناسِ، وبه بدأ الزمخشريُّ. والثاني : أنَّ الفاعلَ مضمرٌ يعود على الباري سبحانه وتعالى، و " مَنْ " مفعولٌ به أي : ألا يعلمُ اللَّهُ مَنْ خَلَقَه. قال الشيخ :" والظاهر أن " مَنْ " مفعولٌ، والمعنى : أينتفي علمُه بمَنْ خَلَقَه، وهو الذي لَطَفَ عِلْمُه ودَقَّ ". ثم قال :" وأجاز بعضُ النَّحْويين أَنْ يكون " مَنْ " فاعلاً والمفعولُ محذوفٌ، كأنه قال : ألا يعلَم الخالقُ سِرَّكم وجهرَكم، وهو استفهامٌ، معناه الإِنكار ". قلت : وهذا الوجهُ الذي جَعَلَه هو الظاهر يَعْزِيه الناسُ لأهلِ الزَّيْغ والبِدَعِ الدافِعين لعمومِ الخَلْق لله تعالى.
وقد أَطْنَبَ مكي في ذلك، وأنكر على القائلِ به، ونسبه إلى ما ذكرتُ فقال :" وقد قال بعضُ أهلِ الزَّيْغِ : إن " مَنْ " في موضع نصبٍ اسمٌ للمُسِرِّين والجاهرين، لَيُخْرَجَ الكلامُ عن عمومِه ويُدْفَعَ عمومُ الخَلْقِ عن الله تعالى، ولو كان كما زعم لقال : ألا يعلمُ ما خلق، لأنه إنما تقدَّم ذِكْرُ ما تُكِنُّ الصدورُ فهو في موضعِ " ما " ولو أَتَتْ " ما " في موضعِ " مَنْ " لكان فيه أيضاً بيانُ العموم : أنَّ اللَّهَ خالقُ كلِّ شيءٍ مِنْ أقوال الخلقِ، أَسَرُّوها أو أظهرُها، خيراً كانَتْ أو شرّاً، ويُقَوِّي ذلك ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، ولم يقلْ : عليمٌ بالمُسِرِّين والمجاهرين وتكون " ما " في موضع نصب، وإنما يُخْرِجُ الآيةَ مِنْ هذا العموم إذا جَعَلْتَ " مَنْ " في موضعِ نصبٍ اسماً للأُناسِ المخاطبين قَبْلَ هذه الآيةِ، وقوله :" بذات الصدورِ " يمنعُ مِنْ ذلك " انتهى. ولا أَدْري كيف يَلْزَمُ ما قاله مكيٌّ بالإِعرابِ الذي ذكره والمعنى الذي أبداه ؟ وقد قال بهذا القولِ أعني الإِعرابَ الثاني جماعةٌ من المحققين، ولم يُبالوا بما ذكرَه لعَدَمِ إفهامِ الآية إياه.
وقال الزمخشري بعد كلامٍ ذكرَه :" ثم أنكر ألاَّ يُحيط علماً بالمُضْمَر والمُسَرِّ والمُجْهَرِ مَنْ خلق الأشياء، وحالُه أنه/ اللطيفُ الخبيرُ المتوصِّلُ عِلْمُه إلى ما ظَهَر وما بَطَن. ويجوز أَنْ يكون " مَنْ خَلَقَ " منصوباً بمعنى : ألا يعلَمُ مَخْلوقَه، وهذه حالُه " ثم قال :" فإنْ قلتَ : قَدَّرْتَ في " ألا يَعْلَمُ " مفعولاً على معنى : ألا يعلمُ ذلك المذكورَ مِمَّا أُضْمِر في القلب وأُظْهِر باللسان مَنْ خلق ؟ فهلا جَعَلْتَه مثلَ قولِهم :" هو يُعْطي ويمنع "، وهلا كان المعنى : ألا يكونُ عالماً مَنْ هو خالقٌ، لأن الخالقَ لا يَصِحُّ إلاَّ مع العِلْم ؟ قلت : أبَتْ ذلك الحالُ التي هي قولُه :﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ لأنَّك لو قلتَ : ألا يكون عالماً مَنْ هو خالقٌ وهو اللطيفُ الخبيرُ، لم يكن معنى صحيحاً ؛ لأنَّ " ألا يَعْلَمُ " معتمِدٌ على الحالِ، والشيءُ لا يُوَقَّتُ بنفسِهِ، فلا يقال :" ألا يعلَمُ وهو عالمٌ، ولكن ألا يعلم كذا، وهو عالمٌ بكلِّ شيءٍ ".
وقد أَطْنَبَ مكي في ذلك، وأنكر على القائلِ به، ونسبه إلى ما ذكرتُ فقال :" وقد قال بعضُ أهلِ الزَّيْغِ : إن " مَنْ " في موضع نصبٍ اسمٌ للمُسِرِّين والجاهرين، لَيُخْرَجَ الكلامُ عن عمومِه ويُدْفَعَ عمومُ الخَلْقِ عن الله تعالى، ولو كان كما زعم لقال : ألا يعلمُ ما خلق، لأنه إنما تقدَّم ذِكْرُ ما تُكِنُّ الصدورُ فهو في موضعِ " ما " ولو أَتَتْ " ما " في موضعِ " مَنْ " لكان فيه أيضاً بيانُ العموم : أنَّ اللَّهَ خالقُ كلِّ شيءٍ مِنْ أقوال الخلقِ، أَسَرُّوها أو أظهرُها، خيراً كانَتْ أو شرّاً، ويُقَوِّي ذلك ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، ولم يقلْ : عليمٌ بالمُسِرِّين والمجاهرين وتكون " ما " في موضع نصب، وإنما يُخْرِجُ الآيةَ مِنْ هذا العموم إذا جَعَلْتَ " مَنْ " في موضعِ نصبٍ اسماً للأُناسِ المخاطبين قَبْلَ هذه الآيةِ، وقوله :" بذات الصدورِ " يمنعُ مِنْ ذلك " انتهى. ولا أَدْري كيف يَلْزَمُ ما قاله مكيٌّ بالإِعرابِ الذي ذكره والمعنى الذي أبداه ؟ وقد قال بهذا القولِ أعني الإِعرابَ الثاني جماعةٌ من المحققين، ولم يُبالوا بما ذكرَه لعَدَمِ إفهامِ الآية إياه.
وقال الزمخشري بعد كلامٍ ذكرَه :" ثم أنكر ألاَّ يُحيط علماً بالمُضْمَر والمُسَرِّ والمُجْهَرِ مَنْ خلق الأشياء، وحالُه أنه/ اللطيفُ الخبيرُ المتوصِّلُ عِلْمُه إلى ما ظَهَر وما بَطَن. ويجوز أَنْ يكون " مَنْ خَلَقَ " منصوباً بمعنى : ألا يعلَمُ مَخْلوقَه، وهذه حالُه " ثم قال :" فإنْ قلتَ : قَدَّرْتَ في " ألا يَعْلَمُ " مفعولاً على معنى : ألا يعلمُ ذلك المذكورَ مِمَّا أُضْمِر في القلب وأُظْهِر باللسان مَنْ خلق ؟ فهلا جَعَلْتَه مثلَ قولِهم :" هو يُعْطي ويمنع "، وهلا كان المعنى : ألا يكونُ عالماً مَنْ هو خالقٌ، لأن الخالقَ لا يَصِحُّ إلاَّ مع العِلْم ؟ قلت : أبَتْ ذلك الحالُ التي هي قولُه :﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ لأنَّك لو قلتَ : ألا يكون عالماً مَنْ هو خالقٌ وهو اللطيفُ الخبيرُ، لم يكن معنى صحيحاً ؛ لأنَّ " ألا يَعْلَمُ " معتمِدٌ على الحالِ، والشيءُ لا يُوَقَّتُ بنفسِهِ، فلا يقال :" ألا يعلَمُ وهو عالمٌ، ولكن ألا يعلم كذا، وهو عالمٌ بكلِّ شيءٍ ".