الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال تعالى :( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير )[ ١٤ ].
" من " : في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون (١) في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال (٢) :( ألا يعلم ما خلق )، لأنه راجع إلى ( ذات الصدور ). فالمعنى : ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها (٣)، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم ؟ ! وإذا جعلت " من " بمعنى " ما " في موضع نصب، كان فيه دليل قوي ) (٤) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [ قوية ] (٥) على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم (٦) يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل (٧) شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس ؟ ! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله ؟ ! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية ؟ ! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق (٨) ؟ ! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى :( يضل من يشاء ويهدي من يشاء ) (٩).
وقال :( ولو شاء ربكما ما فعلوه ) (١٠)، فكلٌّ بمشيئته (١١) كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه.
وكذلك يكون المعنى إذا جعلت " من " في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ ويكون التقدير : ألا ] (١٢) يعلم الخالق خلقه وهو ( ما ) (١٣) في الصدور ( من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله : ما في الصدور ) (١٤) وغيره. وقال أهل الزيغ :" من " في موضع نصب يراد به الخلق (١٥) دون ما في الصدور، فهو (١٦) يدل (١٧) على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا (١٨).
١ -أ: يكون..
٢ - ث: يقول.
٣ - انظر: إعراب النحاس ٤/٤٧٠ وإعراب ابن الأنباري٢/٤٥١..
٤ -ث: قوة..
٥ - م: قومة، وهو صحيح أيضا يقال:(( رمح قويم... أي مستقيم)) اللسان( قوم) إلا أن ما أثبته أدل على السياق، لأن الحديث هنا في الاحتجاج، يدل عليه أيضا قوله قبل هذا:(( فيه دليل قوي))..
٦ -أ: ما لا..
٧ -ث: كل..
٨ - أ: الطرق..
٩ - فاطر: ٨..
١٠ - الأنعام: ١١٣..
١١ -أ: بمشيئة الله..
١٢ -م ث: يكون الا..
١٣ - ساقط من ث..
١٤ - ساقط من أ..
١٥ - أ: الخلود..
١٦ -ساقط من أ..
١٧ -أك فيدل..
١٨ -انظر: تفصيل هذه المسألة في تفسير الرازي ٣٠/٦٧-٦٨ ردا على المعتزلة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى