الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
و﴿ذَلُولاً﴾ بمعنى مَذْلُولَةٍ، و﴿مَنَاكِبِهَا﴾ قال مجاهد : هي الطُّرُقُ والفجاجُ، وقال البخارِي :﴿مَنَاكِبِهَا﴾ : جَوَانِبُها، قال الغزالي رحمه اللَّه :" جَعَلَ اللَّهُ سبحانَه الأَرْضَ ذَلُولاً لِعِبَادِه لاَ لِيَسْتَقِرُّوا في مناكِبها، بلْ لِيَتَّخِذُوهَا مَنْزِلاً فَيَتزَوَّدُونَ منها مُحْتَرِزِينَ من مصائدِها ومَعَاطبِها، ويتحقَّقُون أنّ العُمْرَ يَسِيرُ بهم سَيْرَ السفينةِ بِرَاكِبِها، فالناسُ في هَذَا العَالَمِ سُفْرُ، وأوَّلُ منازلِهم المَهْدُ، وآخرُها اللحدُ، والوَطَنُ هو الجنَّةُ أو النَّارُ، والعُمْرُ مسَاقَةُ السَّفَرِ، فَسِنُوه مَرَاحِلهُ، وشُهورُه فَرَاسِخُه، وأيامُه أمْيَالُه، وأنْفَاسُه خُطُواتُه، وطَاعَتُه بضاعتُه، وأوقَاتُه رؤوس أموالِه، وشَهَواتُه وأغْرَاضُه قطاع طريقِه، وربحُه الفوزُ بلقاءِ اللَّه عز وجل في دار السلام، مع المُلْكِ الكبيرِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، وخسرانُه البُعْد من اللَّه عز وجل، مع الأنْكَالِ والأَغْلاَلِ والعذاب الأليمِ في دَرَكَاتِ الجحيم، فالغافلُ عن نَفسِ واحدٍ من أنْفَاسِهِ، حتى يَنْقَضِيَ في غَيْرِ طاعةٍ تُقُرِّبُه إلى اللَّهِ تعالى زُلْفى، مُتَعَرِّضٌ في يوم التَّغابُن لغَبِينَةٍ وحَسْرَةٍ مَا لها مُنْتَهَى، ولهذا الخطرِ العظيمِ والخَطْبِ الهائلِ، شَمَّر المُوفَّقُونَ عن ساقِ الجِدِّ، وَوَدَّعُوا بالكليةِ ملاذَّ النَّفْسِ، واغْتَنَمُوا بَقايَا العُمْرِ، فَعَمَّرُوها بالطاعاتِ، بِحَسَبِ تَكَرُّرِ الأوقَاتِ "، انتهى. قال الشيخُ أبو مدين رحمه اللَّه :" عُمْرُكَ نَفَسٌ وَاحِدٌ، فَاحْرِصْ أنْ يَكُونَ لَكَ لاَ عليك "، انتهى. واللَّه الموفِّقُ بفضلِه، و﴿النشور﴾ : الحياةُ بعدَ الموتِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى