جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين

عن الكتاب
﴿أأمنتم من(١) في السماء﴾ : ملكوته وسلطانه، ﴿أن يخسف بكم الأرض﴾ :
فيغيبكم فيها كما فعل بقارون، بدل اشتمال من ( من )، والباء للتعدية ؛ لأن الخسوف لازم. ﴿فإذا هي تمور﴾ : تضطرب، أي : يحركها عند الخسف حتى يلقيهم إلى أسفل، والأرض تعلو عليهم.
١ أخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله:﴿أأمنتم من في السماء﴾ قال: الله./١٢ در منثور، وذكر صاحب الفتح أقوالا إلى أن قال: وقيل: هو الله سبحانه، وهو الحق، لأن ظاهر النظم القرآني يقتضي أن الباري تعالى فوق السماء، وفي بمعنى على، والمعنى من ثبت واستقر في السماء أي: علا العالي، وهو العرش، وقال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام في الحموية: إن الله يوصف بالعلو، والفوقية الحقيقية، ولا يوصف بالسفول، ولا بالتحتية قط لا حقيقة، ولا مجاز ثم من توهم أن كون الله تعالى في السماء أن السماء تحيط به وتحويه، فهو كاذب إن نقله عن غيره، وضال إن اعتقده في رب، وما سمعنا أحدا يفهمه من اللفظ، ولا رأينا أحدا ينقله من أحد، ولو سئل سائر المسلمين هل يفهمون من قوله الله تعالى، ورسوله أن الله في السماء أن السماء تحويه؟ لبادر كل واحد منهم أن يقول: هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا، وإذا كان الأمر هكذا فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئا محالا لا يفهمه الناس منه، ثم يريد أن يتأول؛ بل عند المسلمين أن الله تعالى في السماء وأنه على العرش واحد إذ السماء إنما يراد به العلو، فالمعنى أن الله في العلو، لا في السفل، وقد علم المسلمون أن كرسيه تعالى وسع السماوات، والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وأن العرش خلق من مخلوقاته لا نسبة له إلى قدرة الله تعالى وعظمته، فكيف يتوهم أن خلقا يحصره ويحويه؟! وقد قال سبحانه ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾[طه: ٧١] وقال:﴿فسيروا في الأرض﴾[النخل: ٣٦] بمعنى على، ونحو ذلك وهو كلام عربي حقيقة لا مجازا وهذا يعلمه من عرف حقائق معاني الحروف، وأنها متواطئة في الغالب لا مشتركة، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:" إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله تعالى قبل وجهه فلا يبصق قبل وجهه" الحديث حق على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش، وهو قبل وجه المصلي، بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات أيضا فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء أو أنه يناجي الشمس، والقمر لكانت السماء والشمس والقمر فوقه، وكانت أيضا قبل وجهه، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم- المثل بذلك، ولله المثل الأعلى، ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا أو إمكانه لا تشبيه الخالق بالمخلوق، فقال النبي صلى الله عليه و سلم:"ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخليا به" فقال له أبو رزين العقيلي، كيف يا رسول الله، وهو واحد، ونحن جميع؟ فقال النبي –صلى الله عليه وسلم:" سآتيك بمثل ذلك في آلاء الله تعالى، هذا القمر كلكم يراه مخليا به، وهو آية من آيات الله تعالى" وقال:"إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر" فشبه الرؤية بالرؤية وإن لم يكن المرئي مشابها للمرئي، فالمؤمنون إذا رأوه يوم القيامة، وناجوه كل يراه فوقه قبل وجهه كما يرى الشمس والقمر، ولا منافاة أصلا، ومن كان له نصيب في المعرفة بالله، والرسوخ في العلم بالله يكون إقراره بالكتاب، والسنة على ما هما عليه أوكد انتهى.
وقال ابن القيم في النونية فصل:
هذا وتاسعها النصوص بأنهفوق السماء وذا بلا حسبان
فاستحضر الوحيين وانظرذالك تلقاه مبينا واضح التبيان
ولسوف تنظر بعض ذلك عن قريب كي تقوم شواهد الإيمان
وإذا أتتك فلا تكن مستوحشامنها ولا تك عندها بجبان
ليست تدل على انحصار إلهناعقلا ولا عرفا ولا بلسان
إذا أجمع السلف الكرام بأنمعناها كمعنى فوق البرهان
أو أن لفظ سمائه يعني بهنفس العلو المطلق الحقان
والرب فيه وليس يحصرهمن المخلوق شيء عز ذو السلطان
كل الجهات بأسرها عدميةفي حقه هو فوقها ببيان
قد بان عنها كلها فهو المحيطولا يحاط بخالق الأكوان
ما ذاك ينقم بعد ذو التعطيلمن وصف العلو لربنا الرحمن
أيرد ذو عقل سليم قط ذابعد التصور يا أولي الأذهان
والله ما رد امرئ هذا بغيرالجهل أو بحمية الشيطان
انتهى. وقال في موضع آخر:
ظن الحمير بأن في للظرف والرحمن محوى بظرف مكان
والله لم يسمع بذا من فرقةقالته في زمن من الأزمان
لا تبهتوا أهل الحديث بهفماذا قولهم تبا لذى البهتان.
بل قولهم إن السماوات العلافي كف خالق هذه الأكوان
حقا كخردلة ترى في كف ممسكهاتعالى الله ذو السلطان
أترونه المحصور بعد أم السماءيا قومنا ارتدعوا عن العدوان
كم ذا مشبهة، وكم حشويةفالبهت لا يخفى على الرحمن
انتهى. .

تفسير هذه الآية من كتب أخرى