البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
ولما حذرهم ما يمكن إحلاله بهم من الخسف وإرسال الحاصب، نبههم على الاعتبار بالطير وما أحكم من خلقها، وعن عجز آلهتهم عن شيء من ذلك، وناسب ذلك الاعتبار بالطير، إذ قد تقدمه ذكر الحاصب، وقد أهلك الله أصحاب الفيل بالطير والحاصب الذي رمتهم به، ففيه إذكار قريش بهذه القصة، وأنه تعالى لو شاء لأهلكهم بحاصب ترمي به الطير، كما فعل بأصحاب الفيل.
﴿صافات﴾ : باسطة أجنحتها صافتها حتى كأنها ساكنة، ﴿ويقبضن﴾ : ويضممن الأجنحة إلى جوانبهن، وهاتان حالتان للطائر يستريح من إحداهما إلى الأخرى.
وعطف الفعل على الاسم لما كان في معناه، ومثله قوله تعالى :﴿فالمغيرات صبحاً فأثرن﴾ عطف الفعل على الاسم لما كان المعنى : فاللاتي أغرن صبحاً فأثرن، ومثل هذا العطف فصيح، وعكسه أيضاً جائز إلا عند السهيلي فإنه قبيح، نحو قوله :
بات يغشيها بغضب باتريقصد في أسوقها وجائر
أي : قاصد في أسوقها وجائر.
وقال الزمخشري :﴿صافات﴾ : باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها، لأنهن إذا بسطنها صففن قوادمها صفاً، ﴿ويقبضن﴾ : ويضمنها إذا ضربن بها جنوبهن.
فإن قلت : لم قيل ﴿ويقبضن﴾، ولم يقل : وقابضات ؟ قلت : أصل الطيران هو صف الأجنحة، لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها.
وأما القبض فطارىء على البسط للاستظهار به على التحرك، فجيء بما هو طارىء غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات، ويكون منهن القبض تارة بعد تارة، كما يكون من السابح. انتهى.
وملخصه أن الغالب هو البسط، فكأنه هو الثابت، فعبر عنه بالاسم.
والقبض متجدد، فعبر عنه بالفعل ب ﴿ما يمسكهن إلا الرحمن﴾ : أي بقدرته.
قال الزمخشري : وبما دبر لهن من القوادم والخوافي، وبنى الأجسام على شكل وخصائص قد يأتي منها الجري في الجو ﴿إنه بكل شيء بصير﴾ : يعلم كيف يخلق وكيف يدبر العجائب.
انتهى، وفيه نزوع إلى قول أهل الطبيعة.
ونحن نقول : إن أثقل الأشياء إذا أراد إمساكها في الهواء واستعلاءها إلى العرش كان ذلك، وإذا أراد إنزال ما هو أخف سفلاً إلى منتهى ما ينزل كان، وليس ذلك معذوقاً بشكل، لا من ثقل ولا خفة.
وقرأ الجمهور : ما يمسكهن مخففاً.
والزهري مشدداً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى