فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
ضرب سبحانه مثلاً للمشرك والموحد لإيضاح حالهما وبيان مآلهما، فقال :﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ أهدى﴾ والمكبّ والمنكبّ : الساقط على وجهه، يقال : كببته فأكبّ وانكبّ. وقيل : هو الذي يكب رأسه فلا ينظر يميناً ولا شمالاً ولا أماماً فهو لا يأمن العثور والانكباب على وجهه. وقيل : أراد به الأعمى الذي لا يهتدي إلى الطريق، فلا يزال مشيه ينكسه على وجهه. قال قتادة : هو الكافر يكبّ على معاصي الله في الدنيا فيحشره الله يوم القيامة على وجهه. والهمزة للاستفهام الإنكاري : أي هل هذا الذي يمشي على وجهه أهدى إلى المقصد الذي يريده ؟ ﴿أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً﴾ معتدلاً ناظراً إلى ما بين يديه ﴿على صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي على طريق مستوي لا اعوجاج به ولا انحراف فيه، وخبر «من » محذوف لدلالة خبر «من » الأولى، وهو أهدي عليه، وقيل : لا حاجة إلى ذلك، لأن «من » الثانية معطوفة على «من » الأولى عطف المفرد على المفرد، كقولك : أزيد قائم أم عمرو ؟ وقيل : أراد بمن يمشي مكباً على وجهه من يحشر على وجهه إلى النار، ومن يمشي سوياً من يحشر على قدميه إلى الجنة، وهو كقول قتادة الذي ذكرناه، ومثله قوله :﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً﴾ قال : في الضلالة ﴿أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً﴾ قال : مهتدياً. وأخرج الخطيب في تاريخه، وابن النجار عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ :«من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه، وليقرأ هذه الآية :﴿هُوَ الذي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾». وأخرج الدارقطني في الأفراد عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ :«من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه، وليقرأ هاتين الآيتين سبع مرات :﴿وَهُوَ الذي أَنشَأَكُم مّن نَّفْسٍ واحدة فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ إلى ﴿يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٩٨] و ﴿هُوَ الذي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ فإنه يبرأ بإذن الله». وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله :﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً﴾ قال : داخلاً في الأرض ﴿فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ﴾ قال : الجاري. وأخرج ابن المنذر عنه :﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً﴾ قال : يرجع في الأرض. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً :﴿بِمَاء مَّعِينٍ﴾ قال : ظاهر. وأخرج عبد بن حميد عنه أيضاً :﴿بِمَاء مَّعِينٍ﴾ قال : عذب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى