التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - مظهرا آخر من مظاهرقدرته التى لا يعجزها شئ فقال :﴿الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً...﴾.
والجملة الكريمة صفة للعزيز الغفور، أو عطف بيان أو بدل، أو خبر لمبتدأ محذوف.
وطباقا صفة لسبع سموات. وهى مصدر طابق مطابقة وطباقا، من قولك : طابق فلان النعل، إذا جعله طبقة فوق أخرى، وهو جمع طبَق، كجبل وجبال، أو جمع طبقة كرَحبة ورحاب.. أى : هو - سبحانه - لا غيره الذى أوجد وخلق على غير مثال سابق سبع سموات متطابقة، أى : بعضها فوق بعض، بطريقة متقنة محكمة.. لا يقدر على خلقها بتلك الطريقة إلا هو، ولا يعلم كنه تكوينها وهيئاتها.. أحد سواه - عز وجل -.
وقوله - سبحانه - ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ مؤكد لما قبله، والتفاوت مأخوذ من الفوت، وأصله الفرجة بين الإِصبعين.
تقول : تفاوت الشيئان تفاوتا، إذا حدث تباعد بينهما، والجملة صفة ثانية لسبع سماوات، أو مستأنفة لتقرير وتأكيد ما قبلها.. والخطاب لكل من يصلح له.
أى : هو - سبحانه - الذى خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض، مع تناسقها، وإتقان تكوينها، وإحكام صنعها.. بحيث لا ترى - أيها العاقل - فى خلق السموات السبع شيئا من الاختلاف، أو الاضطراب، أو عدم التناسب.. بل كلها محكمة، جارية على مقتضى نهاية النظام والإبداع.
وقال - سبحانه - :﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن..﴾ ولم يقل : ما ترى فى السموات السبع من تفاوت، للإشعار بأن هذا الخلق البديع، هو ما اقتضته رحمته - تعالى - بعباده، لكي تجري أمورهم على حالة تلائم نظام معيشتهم.. وللتنبيه - أيضا - على أن جميع مخلوقاته تسير على هذا النمط البديع فى صنعها وإيجادها، كما قال - تعالى - :﴿صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وكما قال - سبحانه - :﴿الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ...﴾ قال صاحب الكشاف : قوله :﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ أى : من اختلاف واضطراب فى الخلقة ولا تناقض، إنما هي مستوية ومستقيمة، وحقيقة التفاوت : عدم التناسب، كأن بعض الشئ يفوت بعضا ولا يلائمه، ومنه قولهم : خلق متفاوت، وفى نقيضه متناصف.
فإن قلت : ما موقع هذه الجملة مما قبلها ؟ قلت : هى صفة مشايعة لقوله ﴿طِبَاقاً﴾ وأصلها : ما ترى فيهن من تفاوت، فوضع مكان الضمير قوله :﴿خَلْقِ الرحمن﴾ تعظيما لخلقهن، وتنبيها على سبب سلامتهن من التفاوت، وهو أنه خلق الرحمن، وأنه بباهر قدرته هو الذى يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى