تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة

عن الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( ١ ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ( ٢ ) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ( ٣ ) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ( ٤ ) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ( ٥ ) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ( ٦ ) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ( ٧ ) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ( ٨ ) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ( ٩ ) أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ( ١٠ ) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( ١١ )﴾
التفسير :
١، ٢ - قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ.
الفلاح : الظفر بالمراد، والإفلاح. الدخول في الفلاح، كالإبشار الدخول في البشارة.
خاشعون : خاضعون متذللون.
هذه سورة ( المؤمنون )، وقد بدأت السورة بذكر صفات المؤمنين ؛ وهي :
١. الخشوع في الصلاة.
٢. البعد عن اللغو.
٣. إيتاء الزكاة.
٤. البعد عن الزنا واللواط والانحراف.
٥. أداء الأمانة.
٦. الوفاء بالعهد.
٧. المحافظة على الصلاة.
وجزاؤهم هو الفردوس الأعلى في الجنة، وهي منزل سامية تستحق كل تضحية، فلنتأمل الصفات التي استحقوا بها هذه المنزلة.
الخشوع في الصلاة :
خشوع الصلاة روحها وحقيقتها، ويقصد به حضور القلب، والتأمل في تلاوة القرآن، وفي أداء الأركان، واليقظة والتفهم لما يؤديه المسلم، وهو واقف أمام الله تعالى.
جاء في تفسير ابن كثير :
والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها ؛ وحينئذ تكون راحة له، وقرة عين.
روى الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :( لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ) ثم قرأ : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. حتى ختم العشرii.
وقال النسائي في تفسيره، عن يزيد بن بابنوس قال : قلنا لعائشة أم المؤمنين : كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قالت : كان خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فقرأت : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. – حتى انتهت إلى وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ. قالت : هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمiii.
إن الفلاح والنجاح والسعادة الحقة في التزام المؤمن بأمر الله، وتركيز ذهنه في الصلاة، ومراقبة مولاه ؛ وهو قائم بين يديه ؛ فيتذكر عظمة الله وفضله، ونعمه عند قراءة الفاتحة، ويؤدي الركوع في خضوع، وكذلك يشكر الله ويحمده عند الرفع من الركوع، ويقيم صلبه في الصلاة حتى يعود كل فقار إلى موضعه، ثم يسجد على سبعة أعظم، وهي : الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين، ويكون سعيدا بمناجاة الله ومناداته وعبادته، وإذا سها أو انشغل في الصلاة، عاد واسترد الخشوع والاستقرار ؛ ومما يساعد على الخشوع، نظر المصلي إلى موضع سجوده قائما، وإلى قدميه راكعا، وإلى حجره جالسا، وإلى أرنبة أنفه ساجدا، ويحاول استحضار عظمة الله ومناجاته.
أخرج الإمام أحمد، والنسائي، عن أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :( حبب إلي الطيب، والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة )iv.
وقال أبو الدرداء : الخشوع هو : إخلاص المقال، وإعظام المقام، واليقين التام، وجمع الاهتمام.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:خلاصة معنى الآيات
١. المؤمنون هم عباد الله المتقون، لهم في الدنيا الفلاح والرشاد والسيادة، وفي الآخرة الجنة.
٢. إنهم خاشعون في صلاتهم، بحضور القلب، والتبتل إلى الله وحصر الذهن، والتأمل في كلماتهم وعبادتهم وحسن مناجاتهم لربهم.
٣. وهم في معية ربهم، فلا يتكلمون الفحش، ولا ينطقون السب أو الشتم أو السوء، لقد عاشوا جادين صالحين، عن اللغو معرضين، وإذا مروا باللغو مروا كراما... ( الفرقان : ٧٢ ).
٤. وهم يؤدون زكاة أموالهم حسبة لله، ورغبة في تزكية أنفسهم، وتطهيرها من الشح والبخل.
٥، ٦ – وهم محافظون عل العفة والاستقامة، لا يكشفون سوءاتهم إلا لأزواجهم أو جواريهم.
٧. من طلب قضاء شهوة في غير زوجة له أو جارية يملكها ؛ فهو معتد جائر، مخالف للحق، هاتك للأعراض، ( ومن زنى يزنى به ولو بجداره ).
٨. والمؤمنون محافظون على الأمانة، وأداء حقوق الناس، والوفاء بالعهد، والقيام بما يجب عليهم نحو خالقهم، ونحو عباد الله.
٩. وهم يحافظون على الصلاة في أوقاتها، ويؤدونها كاملة الأركان والشروط، في تبتل وإنابة وطاعة لله.
١٠، ١١ – هؤلاء المؤمنون أهل لميراث الجنة، والنزول في الفردوس الأعلى، والخلود الأبدي السرمدي، في جنة عالية لا تسمع فيها لاغية.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى