فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
ثم أمره أن يسأل ربه ما هو أنفع له وأتمّ فائدة فقال :﴿وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُبَارَكاً﴾ أي أنزلني في السفينة. قرأ الجمهور :﴿منزلاً﴾ بضم الميم وفتح الزاي على أنه مصدر. وقرأ زرّ بن حبيش وأبو بكر عن عاصم والمفضل بفتح الميم وكسر الزاي على أنه اسم مكان. فعلى القراءة الأولى : أنزلني إنزالاً مباركاً، وعلى القراءة الثانية : أنزلني مكاناً مباركاً، قال الجوهري : والمنزل بفتح الميم والزاي النزول، وهو الحلول، تقول : نزلت نزولاً ومنزلاً. قال الشاعر :
بنصب منزلها ؛ لأنه مصدر. قيل : أمره الله سبحانه بأن يقول هذا القول عند دخوله السفينة. وقيل : عند خروجه منها، والآية تعليم من الله لعباده إذا ركبوا ثم نزلوا أن يقولوا هذا القول :﴿وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين﴾ هذا ثناء منه على الله عزّ وجلّ إثر دعائه له. قال الواحدي : قال المفسرون : إنه أمر أن يقول عند استوائه على الفلك : الحمد لله، وعند نزوله منها : ربّ أنزلني منزلاً مباركاً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿فاسلك فِيهَا﴾ يقول : اجعل معك في السفينة ﴿مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين﴾. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد :﴿وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾ قال لنوح حين أنزل من السفينة. وأخرج هؤلاء عن قتادة في الآية قال : يعلمكم سبحانه كيف تقولون إذا ركبتم، وكيف تقولون إذا نزلتم. أما عند الركوب :﴿فسبحان الذي سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إلى رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤]، ﴿بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبّي لَغَفُورٌ رحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]. وعند النزول :﴿ربّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله :﴿قَرْناً﴾ قال : أمة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ قال : بعيد بعيد. وأخرج ابن جرير عنه في قوله :﴿فجعلناهم غُثَاء﴾ قال : جعلوا كالشيء الميت البالي من الشجر.
| أإن ذكرتك الدار منزلها جمل | بكيت فدمع العين منحدر سجل |