الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
و " نُسارعُ " خبرُ " أنَّ " والعائدُ من هذه الجملةِ إلى اسم " أنَّ " محذوفٌ تقديرُه : نُسارِعُ لهم به، أو فيه، إلاَّ أنَّ حَذْفَ مثلِه قليلٌ. وقيل : الرابطُ بين هذه الجملةِ باسم " أنَّ " هو الظاهرُ الذي قامَ مقامَ الضميرِ مِنْ قولِه " في الخيرات "، إذ الأصل : نُسارِعُ لهم فيه، فأوقع " الخيرات " موقعَه تعظيماً وتنبيهاً على كونِه من الخيرات. وهذا يَتَمَشّى على مذهبِ الأخفشِ ؛ إذ يَرَى الرَّبْطَ بالأسماءِ الظاهرةِ، وإن. لم يكنْ بلفظِ الأولِ، فيُجيز " زيد الذي قام أبو عبد الله " إذا كان " أبو عبد الله " كنيةَ " زيد ". وتقدَّمَتْ منه أمثلةُ. قال أبو البقاء :" ولا يجوزُ أَنْ يكونَ الخبرُ " مِنْ مالٍ " لأنه كان " مِنْ مال "، فلا يُعاب عليهم [ ذلك، وإنما يعابُ عليهم ] اعتقادُهم أنَّ تلك الأموالَ خيرٌ لهم ".
الثاني : أن تكونَ " ما " مصدريةً فينسَبِكُ منه ومِمَّا بعدَها مصدرٌ هو اسم " أنَّ " و " نُسارع " هو الخبرُ. وعلى هذا فلا بُدَّ مِنْ حَذْفِ " أنْ " المصدريةِ قبل " نُسارع " ليصِحَّ الإِخبارُ، تقديرُه : أَنْ نسارعَ. فلمَّا حُذِفَتْ " أنْ " ارتفعَ المضارعُ بعدَها. والتقديرُ : أَيَحْسَبون أنَّ إِمْدادَنا لهم من كذا مسارعةٌ منَّا لهم في الخيرات. والثالث : أنها مُهَيِّئَة كافَّةٌ. وبه قال الكسائي في هذه/ الآية وحينئذٍ يُوقف على " وَبَنِين " لأنه قد حَصَل بعد فِعْلِ الحُسْبانِ نسبةٌ مِنْ مسندٍ ومسندٍ إليه نحو : حَسِبْتُ أنَّما ينطلق عمروٌ، وأنما تقومُ أنت.
وقرأ يحيى بنُ وَثَّاب " إنما " بكسرِ الهمزة على الاستئنافِ، ويكونُ حَذْفُ مفعولَي الحُسْبان اقتصاراً أو اختصاراً. وابنُ كثيرٍ في روايةٍ " يُمِدُّهم " بالياءِ، وهو اللهُ تعالى. وقياسُه أَنْ يقرأ " يُسارع " بالياء أيضاً. وقرأ السلمي وابن أبي بكرةَ " يُسارع " بالياءِ وكسرِ الراء. وفي فاعِله وجهان، أحدُهما : الباري تعالى، الثاني : ضميرُ " ما " الموصولة إنْ جَعَلْناها بمعنى الذي، أو على المصدرِ إنْ جَعَلْناها مصدريةً. وحينئذٍ يكون " يسارِعُ لهم " الخبرَ. فعلى الأولِ يُحتاجُ إلى تقديرِ عائدٍ أي : يُسارع اللهُ لهم به أو فيه. وعلى الثاني لا يُحْتاج إذ الفاعلُ ضميرُ " ما " الموصولةِ.
وعن أبي بكرة المتقدمِ أيضاً " يُسارَع " بالياء مبنياً للمفعول و " في الخيرات " هو القائمُ مَقامَ الفاعل. والجملةُ خبرُ " أنَّ " والعائدُ محذوفٌ على ما تقدَّم، وقرأ الحسن " نُسْرع " بالنون مِنْ " أَسْرَعَ " وهي ك " نُسارع فيما تقدَّم.
و ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ إضرابٌ عن الحُسْبانِ المُسْتفهمِ عنه استفهامَ تقْريعٍ، وهو إضرابُ انتقالٍ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى