جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَالّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنّهُمْ إِلَىَ رَبّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلََئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾.
يعني تعالى ذكره بقوله : والّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا والذين يعطون أهل سُهْمان الصدقة ما فرض الله لهم في أموالهم. ما آتَوْا يعني : ما أعطوهم إياه من صدقة، ويؤدّون حقوق الله عليهم في أموالهم إلى أهلها. وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ يقول : خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون، فلا ينجيهم ما فعلوا من ذلك من عذاب الله، فهم خائفون من المرجع إلى الله لذلك، كما قال الحسن : إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبجر، عن رجل، عن ابن عمر : يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قال : الزكاة.
حدثني محمد بن عمارة، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى، قال أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد : وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قال : المؤمن ينفق ماله وقلبه وَجِلٌ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي الأشهب، عن الحسن، قال : يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قال : يعملون ما عملوا من أعمال البرّ، وهم يخافون ألاّ ينجيهم ذلك من عذاب ربهم.
حدثنا القاسم، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قال : المؤمن ينفق ماله ويتصدّق وقلبه وَجِل أنه إلى ربه راجع.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن عُلَية، عن يونس، عن الحسن أنه كان يقول : إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمنا. ثم تلا الحسن : إنّ الّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبّهِمْ مُشْفِقُونَ إلى : وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أنّهُمْ إلى رَبّهِمْ رَاجِعُونَ وقال المنافق : إنما أوتيته على علم عندي.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة : يُؤْتُونَ ما آتَوْا قال : يُعطون ما أعطوا. وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ يقول : خائفة.
حدثنا خلاد بن أسلم، قال : حدثنا النضر بن شميل، قال : أخبرنا إسرائيل، قال : أخبرنا سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، في قوله : وَالّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قال : يفعلون ما يفعلون وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت وهي من المبشّرات.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة : يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُم وَجِلَةٌ قال : يُعْطُون ما أعطَوا ويعملون ما عملوا من خير، وقلوبهم وجلة خائفة.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.
حدثنا عليّ، قال : ثني معاوية، عن ابن عباس، قوله : وَالّذِينَ يَأْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ يقول : يعملون خائفين.
قال : حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَالّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قال : يعطون ما أعطوا فَرَقا من الله ووجلاً من الله.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : يُؤْتُونَ ما آتَوْا ينفقون ما أنفقوا.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قال : يعطون ما أعطوا وينفقون ما أنفقوا ويتصدّقون بما تصدّقوا وقلوبهم وجلة، اتقاء لسخط الله والنار.
وعلى هذه القراءة، أعني على : وَالّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا قرأه الأمصار، وبه رسوم مصاحفهم وبه نقرأ، لإجماع الحجة من القرّاء عليه ووفاقه خطّ مصاحف المسلمين.
ورُوي عن عائشة رضي الله عنها في ذلك، ما :
حدثناه أحمد بن يوسف، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا عليّ بن ثابت، عن طلحة بن عمر، عن أبي خلف، قال : دخلت مع عبيد بن عمير على عائشة، فسألها عبيد : كيف نقرأ هذا الحرف وَالّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا ؟ فقالت :«يَأْتُونَ ما أتَوْا ».
وكأنها تأوّلت في ذلك والذين يفعلون ما يفعلون من الخيرات وهم وجلون من الله. وكأنها تأوّلت في ذلك : والذين يفعلون ما يفعلون من الخيرات وهم وجلون من الله، كالذي :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا الحكم بن بشير، قال : حدثنا عمر بن قيس، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال : قالت عائشة : يا رسول الله «وَالّذِينَ يَأْتُونَ مَا أتَوْا وَقُلوبُهُم وَجِلَةٌ » هو الذي يذنب الذنب وهو وجل منه ؟ فقال :«لا، وَلَكِنْ مَنْ يَصُومُ وَيُصَلّي ويَتَصَدّقُ وَهُوَ وَجِلٌ ».
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، عن مالك بن مِغْول، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، أن عائشة قالت : قلت : يا رسول الله الّذِينَ يَأْتُونَ ما أتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أهم الذين يُذنبون وهم مشفقون وَيَصُومُونَ وَهُمْ مُشْفِقُونَ ؟
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : حدثنا ليث، عن مغيث، عن رجل من أهل مكة، عن عائشة، قالت : قلت : يا رسول الله : الّذِينَ يَأْتُونَ ما أتَوْا وَقلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قال : فذكر مثل هذا.
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن مالك بن مغول، عن عبد الرحمن بن سعيد، عن عائشة أنها قالت : يا رسول الله الّذِينَ يَأْتُونَ ما أتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أهو الرجل يزنى ويسرق ويشرب الخمر ؟ قال :«لا يا ابْنَةَ أبي بَكْرٍ أو يا ابْنَةَ الصّدّيقِ وَلَكِنّهُ الرّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلّي وَيَتَصَدّقُ، وَيخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنْهُ ».
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني جرير، عن ليث بن أبي سليم، وهشيم عن العوّام بن حَوْشب جميعا، عن عائشة، أنها قالت : سألت رسول الله ﷺ فقال :«يا ابْنَةَ أبي بَكْرٍ أو يا بْنَةَ الصّدّيقِ هُمُ الّذِينَ يُصَلّونَ وَيَفْرَقُونَ أنْ لا يُتَقَبّلَ منْهُمْ ». و «أنّ » من قوله : أنّهُمْ إلى رَبّهِمْ رَاجِعُونَ : في موضع نصب، لأن معنى الكلام : وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ من أنهم، فلما حذفت «مِنْ » اتصل الكلام قبلها، فنصبت. وكان بعضهم يقول : هو في موضع خفض، وإن لم يكن الخافض ظاهرا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى