غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
ثم بين أن سبب إقدامهم على الكفر أحد أمور أربعة :
الأوّل عدم التدبر في القرآن لأنهم إن تدبروه وتأملوا مبانيه ومعانيه ظهر لهم صدقه وإعجازه فيصدقوا به وبمن جاء به. الثاني قوله ﴿أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين﴾ والمراد أمر الرسالة. ثم المقصود تقرير أنه لم يأت آباءهم الأقربين رسول كقوله
﴿لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم﴾ [يس: ٦] فلذلك أنكروه واستبعدوه، أو تقرير أنه أتى آباءهم الأقدمين رسل وذلك أنهم عرفوا بالتواتر أن رسل الله فيهم كثيرة وكانت الأمم بين مصدق ناج وبين مكذب هالك بعذاب الاستئصال، فما دعاهم ذلك إلى تصديق هذا الرسول وآباؤهم إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان. وقيل : إراد أفلم يدبروا القرآن فيخافوا عند تدبر آياته وأقاصيصه مثل ما نزل بمن قبلهم من المكذبين، أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم حين خافوا الله فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه ؟ عن النبي ﷺ " لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين ولا تسبوا قساً فإنه كان مسلماً ولا تسبوا الحرث بن كعب ولا أسد بن خزيمة ولا تميم بن مر فإنهم كانوا على الإسلام وما شككتم فيه من شيء فلا تشكوا في أن تبعاً كان مسلما ".
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿من خشية ربهم مشفقون﴾ إشارة إلى استيلاء سلطان الهيبة في الحضور والغيبة ﴿بآيات ربهم يؤمنون﴾ هي ما يكاشف لهم من شواهد الحق في السر والعلانية ﴿بربهم لا يشركون﴾ هو ترك الملاحظة في رد الناس وقبولهم ومدحهم وذمهم وانقطاع النظر في المضار والضار عن الوسائط والأسباب ﴿يسارعون في الخيرات﴾ يتوجهون إلى الله وينقطعون عما سواه ﴿وهم لها سابقون﴾ على قدر سبق العناية ﴿ولا نكلف نفساً إلا وسعها﴾ كلفهم أن يقولوا لا إله إلا الله وهم قادرون على ذلك، وأمرهم بقبول دعوة الأنبياء وما هم بعد بعاجزين عنه، وقد كتب في اللوح أنهم يقدرون على هذه التكاليف. ﴿وهم لا يظلمون﴾ فلا يكلفون ما ليس في وسعهم واستعدادهم ﴿وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها﴾ مجرميهم بعذاب فساد الاستعداد لفسدت سموات أرواحهم وأرض نفوسهم ومن فيهن من القلب والسر ﴿وهو خير الرازقين﴾ فيه أن العلماء بالله عليهم أن لا يدنسوا وجوه قلوبهم الناضرة بدنس الأطماع الفارقة. ﴿ولقد أخذناهم﴾ أولاً بعذاب الغبن ﴿حتى إذا فتحنا عليهم﴾ باب عذاب الرين يحيي بنوره قلوب بعض عباده ويميت نفوسهم عن صفاتها الذميمة، أو يحيي بعض النفوس باتباع شهواتها ويميت بعض القلوب باستيلاء ظلمات الطبيعة عليها ﴿وله اختلاف﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية أو طول ليل الفراق وقصر نهار الوصال ﴿قالوا أئذا متنا﴾ فيه أن اليأس من الوصول والوصال ليس من شيم أهل الكمال فقد تقوم قيامة العشق فيبعث القلب الميت ﴿أو من كان ميتاً فأحييناه﴾ ملكوت كل شيء هي جهة روحانيته ﴿وهو يجير﴾ الأشياء بقيوميته عن الهلاك ولا مانع له ممن أراد به أن لا يجيره.
الأوّل عدم التدبر في القرآن لأنهم إن تدبروه وتأملوا مبانيه ومعانيه ظهر لهم صدقه وإعجازه فيصدقوا به وبمن جاء به. الثاني قوله ﴿أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين﴾ والمراد أمر الرسالة. ثم المقصود تقرير أنه لم يأت آباءهم الأقربين رسول كقوله
﴿لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم﴾ [يس: ٦] فلذلك أنكروه واستبعدوه، أو تقرير أنه أتى آباءهم الأقدمين رسل وذلك أنهم عرفوا بالتواتر أن رسل الله فيهم كثيرة وكانت الأمم بين مصدق ناج وبين مكذب هالك بعذاب الاستئصال، فما دعاهم ذلك إلى تصديق هذا الرسول وآباؤهم إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان. وقيل : إراد أفلم يدبروا القرآن فيخافوا عند تدبر آياته وأقاصيصه مثل ما نزل بمن قبلهم من المكذبين، أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم حين خافوا الله فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه ؟ عن النبي ﷺ " لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين ولا تسبوا قساً فإنه كان مسلماً ولا تسبوا الحرث بن كعب ولا أسد بن خزيمة ولا تميم بن مر فإنهم كانوا على الإسلام وما شككتم فيه من شيء فلا تشكوا في أن تبعاً كان مسلما ".