فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القول﴾ بين سبحانه أن سبب إقدامهم على الكفر هو أحد هذه الأمور الأربعة : الأوّل : عدم التدبر في القرآن، فإنهم لو تدّبروا معانيه لظهر لهم صدقه وآمنوا به وبما فيه، والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدّر، أي فعلوا ما فعلوا فلم يتدبروا، والمراد بالقول : القرآن، ومثله :﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن﴾ [ النساء : ٨٢، محمد : ٢٤ ]. والثاني قوله :﴿أم جاءهم مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الأولين﴾ أم هي المنقطعة، أي بل [ جاءهم ] من الكتاب ما لم يأتِ آباءهم الأوّلين، فكان ذلك سبباً لاستنكارهم للقرآن، والمقصود : تقرير أنه لم يأتِ آباءهم الأوّلين رسول ؛ فلذلك أنكروه، ومثله قوله :﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦]. وقيل : إنه أتى آباءهم الأقدمين رسل أرسلهم الله إليهم. كما هي سنّة الله سبحانه في إرسال الرسل إلى عباده، فقد عرف هؤلاء ذلك، فكيف كذبوا هذا القرآن ؟ وقيل : المعنى : أم جاءهم من الأمن من عذاب الله ما لم يأتِ آباءهم الأوّلين كإسماعيل ومن بعده. والثالث : قوله :﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله :﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ قال : عرفوه ولكنهم حسدوه. وفي قوله :﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَاءهُمْ﴾ قال : الحق : الله عزّ وجلّ. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿بَلْ أتيناهم بِذِكْرِهِمْ﴾ قال : بينا لهم، وأخرجوا عنه في قوله :﴿عَنِ الصراط لناكبون﴾ قال : عن الحقّ لحائدون. وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : جاء أبو سفيان إلى النبيّ ﷺ فقال : يا محمد أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلهز، يعني الوبر بالدم، فأنزل الله :﴿وَلَقَدْ أخذناهم بالعذاب فَمَا استكانوا لِرَبّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾، وأصل الحديث في الصحيحين :( أن رسول الله ﷺ دعا على قريش حين استعصوا فقال :( اللّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف ) الحديث. وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في المعرفة، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس : أن ابن أثال الحنفي لما أتى رسول الله ﷺ فأسلم وهو أسير فخلى سبيله لحق باليمامة، فحال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة حتى أكلت قريش العلهز، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ فقال : أليس تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين ؟ قال :«بلى». قال : فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله :﴿وَلَقَدْ أخذناهم بالعذاب﴾ الآية. وأخرج العسكري في المواعظ عن عليّ بن أبي طالب في قوله :﴿فَمَا استكانوا لِرَبّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ قال : أي لم يتواضعوا في الدعاء ولم يخضعوا، ولو خضعوا لله لاستجاب لهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿حتى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ قال : قد مضى، كان يوم بدر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى