تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي
عن الكتاب
الآية ١١ وقوله تعالى :﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم﴾ يقول : إن لحقت امرأة مؤمنة بكفار مكة من أهل الحرب ممن ليس بينكم وبينهم عهد، ولها زوج عندكم مسلم ﴿فعاقبتم﴾ أي فأعقبكم مالا من الغنيمة ﴿فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا﴾ من المهر مما أصبتم من الغنيمة قبل القسمة، ﴿واتقوا الله﴾ في ما فرض عليكم من هذا ﴿الذي أنتم به مؤمنون﴾ أي مصدقون، فلا تنقصوه، والله اعلم.
وهكذا روي [ عن ](١)مسروق، رحمة الله عليه، وعن الزهري أنه قال : من حكم الله تعالى أن يسأل المسلمون من الكفار مهر المرأة المسلمة إذا صارت إليهم، ويسأل الكفار من المسلمين مهر من صارت إلينا من نسائهم مسلمة، فأقر المؤمنون بحكم الله تعالى، وأبى المشركون أن يقروا بذلك، فأنزل الله تعالى قوله :﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا﴾ فأمر الله تعالى المسلمين إذا ذهبت امرأة مسلمة، ولها زوج إلى الكفار أن يردوا إلى زوجها ما أعطاها من المهر من صداق كان في أيديهم مما يريدون أن يردوا إلى المشركين بمهاجرة امرأة مسلمة إليهم (٢)، وإن لم يكن في أيديهم صداق، وجب رده على أهل الحرب [ وتعويضه من غنيمة أصابوها ] (٣). وأصل هذا، والله أعلم، ﴿وإن فاتكم شيء﴾ مما أنفقتم على أزواجكم، ثم ظفرتم على أعدائكم، وغنمتم ﴿فآتوا الذين ذهبت /٥٦٥- أ/أزواجهم﴾ ما فات عنهم ﴿ما أنفقوا﴾ فكأنه يقول : واسألوا أولئك الذين ذهبت نساؤكم إليهم ما أنفقتم، فإن سألتم، ولم يعطوكم شيئا، وفاتكم ذلك من ذلك الوجه، ثم قاتلتموهم، وغنمتم، فأعطوا الذي فات عنهم أزواجهم ما أنفقوا.
قال، رحمة الله : اعلم بأن هذه الآيات (٤)، تنتظم أحكاما :
أحدها : جواز الاجتهاد والعمل بالعلم الظاهر، فإنه قال :﴿فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات﴾ أي بالاجتهاد والامتحان، ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ وهذا حكم مبني على العلم الظاهر، دل أن العمل به جائز.
[ والوجه ](٥) الثاني : أن أحد الزوجين إذا أسلم في دار واحدة : إما دار الإسلام [ وإما ](٦)دار الحرب، هل تقع الفرقة بنفس الإسلام أو بانضمام شيء آخر إليه ؟
قال بشر المريسي : إن الفرقة تقع للحال من غير انضمام شيء آخر إليه.
وقال الشافعي : إن كانت المرأة مدخولا بها لم تقع الفرقة حتى تحيض ثلاث حيض، وإذا كانت غير مدخول بها وقعت الفرقة للحال.
وقال أصحابنا : إذا كانا في دار الحرب، فأسلم أحدهما لم تقع الفرقة حتى تحيض ثلاث [ حيض ](٧)، وإذا كانا في دار الإسلام ذميين، فأسلم أحدهما، لم تقع الفرقة حتى يعرض السلطان الإسلام على الآخر، فإذا عرض عليه الإسلام، فأبى، فرق بينها.
فأما بشر [ فقد ](٨) احتج بظاهر قوله تعالى :﴿إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات﴾ إلى قوله :﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ فقد أخبر أنه لا يحل منهما لصاحبه، ولم يذكر شيئا آخر، فلا يقرن به شيء آخر.
وأما أصحابنا، رحمهم الله، فإنهم احتجوا، وقالوا : إن الفرقة لا تقع بنفس الإسلام بقوله :﴿إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن﴾ فلو كانت الفرقة واقعة بمجرد الإيمان لم يكن للامتحان معنى. فلما لم يذكر الحرمة إلا بالامتحان ثب أن الفرقة لا تقع بمجرد الإيمان.
ويجوز أن يكون مثال هذا قوله تعالى :﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾ [النور: ٣] وحرم ذلك على المؤمنين، ثم قال :﴿والذين يرمون أزواجهم﴾[النور: ٦]فلو كان الزني يوجب الحرمة لم يكن هو راميا للزوجة، بل إذا قال لها : زنيت، فكأنه قال : لم يكن بيني وبينك نكاح.
فلما ثبت رمي الزوجات بقوله :﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ ثبت أن الزنى لا يوجب حرمتها عليه. فكذلك الإيمان بمجرده لو كان يحرمها على الأزواج لم يكن للأمر بالامتحان معنى.
فلما أمر بالامتحان على إيمانها بعد أن أظهرت في نفسها الإيمان ثبت أن الحرمة لا تقع بنفس الإيمان حتى ينضم إليه شيء آخر، وتبين أن العمل بظاهر الآية غير ممكن، إذ لا يجرى على إطلاقها، والله اعلم.
ودليل ثان أن أصحاب رسول الله ﷺ حين أسلموا، ثم أسلم نساؤهم من بعدهم لم يرو عن أحد منهم أنه جدد النكاح. ولو كانت الفرقة تقع بنفس الإسلام من أحد الزوجين لكان أصحاب رسول الله ﷺ أولى بتجديد النكاح. ثبت أن الفرقة لا تقع بمجرد الإسلام، والله اعلم.
والوجه الثالث : ما روي عن الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، على اختلاف الأسباب باختلاف الدارين ونحوه : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهما على النكاح حتى تحيض المرأة إذا كانا في دار الحرب.
وعن علي رضي الله عنه أنهما على النكاح ما داما في الهجرة.
وعن عمر رضي الله عنه أنهما إذا كانا في دار الإسلام، فأسلم أحدهما فهما على النكاح حتى يعرض السلطان الإسلام على الآخر، فهؤلاء قد ثبت عنهم أن الفرقة لا تقع بنفس الإسلام إلا (٩)أن يضاف شيء آخر، ولم يثبت عن غيرهم خلاف ذلك، فيكون إجماعا فلذلك أخذ أصحابنا، رحمهم الله تعالى، بقولهم، والله أعلم.
[ والوجه الرابع ](١٠) أن أحد الزوجين إذا خرج إلى دار الإسلام مهاجرا، وبقي الآخر في دار الحرب، تقع الفرقة بينهما عندنا.
وعند الشافعي لا تقع الفرقة بتباين الدارين، قال : لأن المسلم إذا دخل بأمان لم يبطل نكاح امرأته، وكذلك لو دخل حربي إلينا بأمان لم تقع الفرقة بينه وبين زوجته. وكذلك لو أسلم الزوجان في دار الحرب، ثم خرج أحدهما إلى دار الإسلام، لم تقع الفرقة، فعلم أنه لا يعتبر باختلاف الدارين في إيجاب الفرقة.
ولكن عندنا ليس معنى اختلاف الدارين ما ذكر، إنما معناه أن يكون أحدهما من أهل دار الإسلام : إما بالإسلام [ وإما ](١١) بالذمة، والآخر من أهل دار الحرب، فيكون حربيا كافرا.
فأما إذا كان مسلمين فهما من أهل دار واحدة، وإن كان أحدهما مقيما في دار الحرب والآخر في دار الإسلام. وفي هذه الآية دلالات(١٢) على ما قلنا من وجوه :
أحدها : أنه قال :﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ ولو كانت الزوجية باقية بعد التباين لكان الزوج أولى [ بها وبأن ](١٣) تكون معه، فلا معنى للنهي عن الرجع إلى الزوج الكافر. وكذا قال عز وجل ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ أثبت الحرمة بين المهاجرات وأزواجهن، ولا يتصور بقاء النكاح في غير محل الحل، وكان معناه تحريم الاستمتاع.
ولكن النكاح لما لم يكن المقصود به إلا الاستمتاع، وما هذا من آثاره، فكان في تحريم الاستمتاع تحريم النكاح.
وكذا قوله تعالى :﴿وآتوهم ما أنفقوا﴾ دليل عليه أيضا، فإنه أمر بدر مهرهن إلى الزوج. ولو كانت الزوجية باقية لما استحق الزوج استرداد المهر لأنه لا يجوز أن يستحق البضع وبدله.
وكذا قوله تعالى :﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن﴾ ولو كان نكاح الأول باقيا لما جاز للمسلم في دار الإسلام أن يتزوجها.
وكذا قوله (١٤) تعالى ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ نهانا عن الإمساك والامتناع عن تزويجها لأجل عصمة الزوج الكافر وحرمته. دل أن الحرمة تقع بالتباين.
ودليل آخر من جهة المعقول على ما ذكرنا، وهو أنهم أجمعوا أنها إذا سبيت وقت الفرقة حتى يحل للسابي وطء المسبية بعد الاستبراء، فإما أن تقع الفرقة بإسلامها، وقد اتفق الجمهور من الفقهاء، رحمهم الله، على ألا تقع الفرقة بنفس الإسلام، إذا كان بعد الدخول ما لم ينضم إليه شيء آخر، وبحدوث الملك للسابي، ومعلوم أن الملك لا يمنع النكاح.
ألا ترى أنه يجوز ابتداء العقد على المملوك ؟ ولهذا إذا بيعت الجارية لم تقع الفرقة، وإن وجدت الملك فيها للمشتري، وكذلك إذا مات رجل، وخلّف أمة منكوحة ثبت فيها للوارث، ولا يبطل النكاح.
وإذا لم تثبت الفرقة بهذين الوجهين لم يبق إلا تباين الدارين، فدل أن سبب الفرقة هو تباين الدارين في المسبية، والتباين موجود في المهاجرة، والله أعلم.
فإن احتجوا بما روي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال : رد النبي ﷺ بنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول بعد سنين، وقد كانت زينب هاجرت إلى المدينة، وبقي زوجها /٥٦٥-ب/ مشركا بمكة، ثم ردها عليه بالنكاح الأول.
فدل اختلاف الدارين لا يوجب الفرقة.
فنقول لهم(١٥) : لا يصح الاحتجاج به من وجوه :
أحدها : أنه ردها بعد ست سنين بالنكاح الأول، ولا خلاف بين الفقهاء [ أنها ](١٦) لا ترد إلى الزوج بالعقد الأول بعد انقضاء ثلاث حيض. ومعلوم أنه ليس في العادة ألا يكون ثلاث حيض في ست سنين، فسقط الاحتجاج به.
والثاني : أنه روي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في اليهودية، تسلم قبل زوجها : إنها أملك لنفسها، فكان من مذهبه : أن الفرقة وقعت بإسلامها، والراوي متى عمل بخلاف ما روى دل على انتساخ ذلك، إذ لا يظن به أنه خالف رسول الله ﷺ.
والثالث : أن عمر بن شعيب روى عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ رد بنته زينب رضي الله عنها على أبي العاص بنكاح ثان، فوقع التعارض بين الحديثين فبطل احتجاجهم (١٧)بالحديث.
ثم الترجيح لما روينا لأن في ما رواه إخبار عن كونها زوجة له بعد ما أسلم الزوج، ولم يعلم حدوث عقد ثان.
وفي حديث عمرو بن شعيب [ أمران :
أحدهما :] (١٨)إخبار عن حدوث عقد ثان بعد إسلامه [ فيكون أولى من الأول لأن الأول إخبار عن حدوث عقد ثان بعد إسلامه ](١٩).
والثاني : إخبار عن معنى حادث علمه، وهذا كما رجحنا حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي ﷺ تزوج ميمونة، وهو محرم على حديث يزيد [ بن ](٢٠) الأصم أنه تزوجها وهو حلال، لأن في حديث ابن عباس رضي الله عنه إخبارا عن حالة حادثة، وأخبر الآخر عن ظاهر الأمر الأول.
وبحديث بريدة أنه كان زوجها حرا حتى أعتقت (٢١).
وبرواية (٢٢) من روى أنه كان عبدا يكون (٢٣) الأول أولى لإخباره عن حال حادثة، وفي [ الثاني ](٢٤) إخبار عن ظاهر الحال ويكون(٢٥) الأول أولى، فكذلك هذا.
والرابع أن المهاجرة، لا عدة عليها عند أبي حنيفة، رحمه الله، وعلى قولهما : عليها العدة.
وهذه الآية دليل أبي حنيفة، رحمه الله، من وجوه ؟ فإنه عز وجل قال :﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ نهى عن الرد إلى الزوج الأول، ولو كانت عليها العدة لكان للزوج أن يردها إلى مسكنه البعيد.
ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ [الطلاق: ٦]كيف أمر الأزواج بإسكانهن في بيوتهم ما دمن في عدتهن ؟
فأما ما قال ههنا :﴿فلا ترجعوهن على الكفار﴾ [ فقد ] (٢٦)دل على [ أنه ](٢٧) لا عدة عليها، وكان [ ما ] (٢٨)قال :﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن﴾ فأباح نكاحها مطلقا من غير ذكر العدة وما(٢٩) قال :﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾.
ولو كانت العدة عليها واجبة لكانت [ العصمة ](٣٠) باقية لقوله :﴿فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ [الأحزاب: ٤٩].
ألا تراه كيف جعل العدة في حقه ؟ وإذا كان للزوج عليها حق كانت هي في عصمته، وقوله تعال
وهكذا روي [ عن ](١)مسروق، رحمة الله عليه، وعن الزهري أنه قال : من حكم الله تعالى أن يسأل المسلمون من الكفار مهر المرأة المسلمة إذا صارت إليهم، ويسأل الكفار من المسلمين مهر من صارت إلينا من نسائهم مسلمة، فأقر المؤمنون بحكم الله تعالى، وأبى المشركون أن يقروا بذلك، فأنزل الله تعالى قوله :﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا﴾ فأمر الله تعالى المسلمين إذا ذهبت امرأة مسلمة، ولها زوج إلى الكفار أن يردوا إلى زوجها ما أعطاها من المهر من صداق كان في أيديهم مما يريدون أن يردوا إلى المشركين بمهاجرة امرأة مسلمة إليهم (٢)، وإن لم يكن في أيديهم صداق، وجب رده على أهل الحرب [ وتعويضه من غنيمة أصابوها ] (٣). وأصل هذا، والله أعلم، ﴿وإن فاتكم شيء﴾ مما أنفقتم على أزواجكم، ثم ظفرتم على أعدائكم، وغنمتم ﴿فآتوا الذين ذهبت /٥٦٥- أ/أزواجهم﴾ ما فات عنهم ﴿ما أنفقوا﴾ فكأنه يقول : واسألوا أولئك الذين ذهبت نساؤكم إليهم ما أنفقتم، فإن سألتم، ولم يعطوكم شيئا، وفاتكم ذلك من ذلك الوجه، ثم قاتلتموهم، وغنمتم، فأعطوا الذي فات عنهم أزواجهم ما أنفقوا.
قال، رحمة الله : اعلم بأن هذه الآيات (٤)، تنتظم أحكاما :
أحدها : جواز الاجتهاد والعمل بالعلم الظاهر، فإنه قال :﴿فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات﴾ أي بالاجتهاد والامتحان، ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ وهذا حكم مبني على العلم الظاهر، دل أن العمل به جائز.
[ والوجه ](٥) الثاني : أن أحد الزوجين إذا أسلم في دار واحدة : إما دار الإسلام [ وإما ](٦)دار الحرب، هل تقع الفرقة بنفس الإسلام أو بانضمام شيء آخر إليه ؟
قال بشر المريسي : إن الفرقة تقع للحال من غير انضمام شيء آخر إليه.
وقال الشافعي : إن كانت المرأة مدخولا بها لم تقع الفرقة حتى تحيض ثلاث حيض، وإذا كانت غير مدخول بها وقعت الفرقة للحال.
وقال أصحابنا : إذا كانا في دار الحرب، فأسلم أحدهما لم تقع الفرقة حتى تحيض ثلاث [ حيض ](٧)، وإذا كانا في دار الإسلام ذميين، فأسلم أحدهما، لم تقع الفرقة حتى يعرض السلطان الإسلام على الآخر، فإذا عرض عليه الإسلام، فأبى، فرق بينها.
فأما بشر [ فقد ](٨) احتج بظاهر قوله تعالى :﴿إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات﴾ إلى قوله :﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ فقد أخبر أنه لا يحل منهما لصاحبه، ولم يذكر شيئا آخر، فلا يقرن به شيء آخر.
وأما أصحابنا، رحمهم الله، فإنهم احتجوا، وقالوا : إن الفرقة لا تقع بنفس الإسلام بقوله :﴿إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن﴾ فلو كانت الفرقة واقعة بمجرد الإيمان لم يكن للامتحان معنى. فلما لم يذكر الحرمة إلا بالامتحان ثب أن الفرقة لا تقع بمجرد الإيمان.
ويجوز أن يكون مثال هذا قوله تعالى :﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾ [النور: ٣] وحرم ذلك على المؤمنين، ثم قال :﴿والذين يرمون أزواجهم﴾[النور: ٦]فلو كان الزني يوجب الحرمة لم يكن هو راميا للزوجة، بل إذا قال لها : زنيت، فكأنه قال : لم يكن بيني وبينك نكاح.
فلما ثبت رمي الزوجات بقوله :﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ ثبت أن الزنى لا يوجب حرمتها عليه. فكذلك الإيمان بمجرده لو كان يحرمها على الأزواج لم يكن للأمر بالامتحان معنى.
فلما أمر بالامتحان على إيمانها بعد أن أظهرت في نفسها الإيمان ثبت أن الحرمة لا تقع بنفس الإيمان حتى ينضم إليه شيء آخر، وتبين أن العمل بظاهر الآية غير ممكن، إذ لا يجرى على إطلاقها، والله اعلم.
ودليل ثان أن أصحاب رسول الله ﷺ حين أسلموا، ثم أسلم نساؤهم من بعدهم لم يرو عن أحد منهم أنه جدد النكاح. ولو كانت الفرقة تقع بنفس الإسلام من أحد الزوجين لكان أصحاب رسول الله ﷺ أولى بتجديد النكاح. ثبت أن الفرقة لا تقع بمجرد الإسلام، والله اعلم.
والوجه الثالث : ما روي عن الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، على اختلاف الأسباب باختلاف الدارين ونحوه : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهما على النكاح حتى تحيض المرأة إذا كانا في دار الحرب.
وعن علي رضي الله عنه أنهما على النكاح ما داما في الهجرة.
وعن عمر رضي الله عنه أنهما إذا كانا في دار الإسلام، فأسلم أحدهما فهما على النكاح حتى يعرض السلطان الإسلام على الآخر، فهؤلاء قد ثبت عنهم أن الفرقة لا تقع بنفس الإسلام إلا (٩)أن يضاف شيء آخر، ولم يثبت عن غيرهم خلاف ذلك، فيكون إجماعا فلذلك أخذ أصحابنا، رحمهم الله تعالى، بقولهم، والله أعلم.
[ والوجه الرابع ](١٠) أن أحد الزوجين إذا خرج إلى دار الإسلام مهاجرا، وبقي الآخر في دار الحرب، تقع الفرقة بينهما عندنا.
وعند الشافعي لا تقع الفرقة بتباين الدارين، قال : لأن المسلم إذا دخل بأمان لم يبطل نكاح امرأته، وكذلك لو دخل حربي إلينا بأمان لم تقع الفرقة بينه وبين زوجته. وكذلك لو أسلم الزوجان في دار الحرب، ثم خرج أحدهما إلى دار الإسلام، لم تقع الفرقة، فعلم أنه لا يعتبر باختلاف الدارين في إيجاب الفرقة.
ولكن عندنا ليس معنى اختلاف الدارين ما ذكر، إنما معناه أن يكون أحدهما من أهل دار الإسلام : إما بالإسلام [ وإما ](١١) بالذمة، والآخر من أهل دار الحرب، فيكون حربيا كافرا.
فأما إذا كان مسلمين فهما من أهل دار واحدة، وإن كان أحدهما مقيما في دار الحرب والآخر في دار الإسلام. وفي هذه الآية دلالات(١٢) على ما قلنا من وجوه :
أحدها : أنه قال :﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ ولو كانت الزوجية باقية بعد التباين لكان الزوج أولى [ بها وبأن ](١٣) تكون معه، فلا معنى للنهي عن الرجع إلى الزوج الكافر. وكذا قال عز وجل ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ أثبت الحرمة بين المهاجرات وأزواجهن، ولا يتصور بقاء النكاح في غير محل الحل، وكان معناه تحريم الاستمتاع.
ولكن النكاح لما لم يكن المقصود به إلا الاستمتاع، وما هذا من آثاره، فكان في تحريم الاستمتاع تحريم النكاح.
وكذا قوله تعالى :﴿وآتوهم ما أنفقوا﴾ دليل عليه أيضا، فإنه أمر بدر مهرهن إلى الزوج. ولو كانت الزوجية باقية لما استحق الزوج استرداد المهر لأنه لا يجوز أن يستحق البضع وبدله.
وكذا قوله تعالى :﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن﴾ ولو كان نكاح الأول باقيا لما جاز للمسلم في دار الإسلام أن يتزوجها.
وكذا قوله (١٤) تعالى ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ نهانا عن الإمساك والامتناع عن تزويجها لأجل عصمة الزوج الكافر وحرمته. دل أن الحرمة تقع بالتباين.
ودليل آخر من جهة المعقول على ما ذكرنا، وهو أنهم أجمعوا أنها إذا سبيت وقت الفرقة حتى يحل للسابي وطء المسبية بعد الاستبراء، فإما أن تقع الفرقة بإسلامها، وقد اتفق الجمهور من الفقهاء، رحمهم الله، على ألا تقع الفرقة بنفس الإسلام، إذا كان بعد الدخول ما لم ينضم إليه شيء آخر، وبحدوث الملك للسابي، ومعلوم أن الملك لا يمنع النكاح.
ألا ترى أنه يجوز ابتداء العقد على المملوك ؟ ولهذا إذا بيعت الجارية لم تقع الفرقة، وإن وجدت الملك فيها للمشتري، وكذلك إذا مات رجل، وخلّف أمة منكوحة ثبت فيها للوارث، ولا يبطل النكاح.
وإذا لم تثبت الفرقة بهذين الوجهين لم يبق إلا تباين الدارين، فدل أن سبب الفرقة هو تباين الدارين في المسبية، والتباين موجود في المهاجرة، والله أعلم.
فإن احتجوا بما روي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال : رد النبي ﷺ بنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول بعد سنين، وقد كانت زينب هاجرت إلى المدينة، وبقي زوجها /٥٦٥-ب/ مشركا بمكة، ثم ردها عليه بالنكاح الأول.
فدل اختلاف الدارين لا يوجب الفرقة.
فنقول لهم(١٥) : لا يصح الاحتجاج به من وجوه :
أحدها : أنه ردها بعد ست سنين بالنكاح الأول، ولا خلاف بين الفقهاء [ أنها ](١٦) لا ترد إلى الزوج بالعقد الأول بعد انقضاء ثلاث حيض. ومعلوم أنه ليس في العادة ألا يكون ثلاث حيض في ست سنين، فسقط الاحتجاج به.
والثاني : أنه روي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في اليهودية، تسلم قبل زوجها : إنها أملك لنفسها، فكان من مذهبه : أن الفرقة وقعت بإسلامها، والراوي متى عمل بخلاف ما روى دل على انتساخ ذلك، إذ لا يظن به أنه خالف رسول الله ﷺ.
والثالث : أن عمر بن شعيب روى عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ رد بنته زينب رضي الله عنها على أبي العاص بنكاح ثان، فوقع التعارض بين الحديثين فبطل احتجاجهم (١٧)بالحديث.
ثم الترجيح لما روينا لأن في ما رواه إخبار عن كونها زوجة له بعد ما أسلم الزوج، ولم يعلم حدوث عقد ثان.
وفي حديث عمرو بن شعيب [ أمران :
أحدهما :] (١٨)إخبار عن حدوث عقد ثان بعد إسلامه [ فيكون أولى من الأول لأن الأول إخبار عن حدوث عقد ثان بعد إسلامه ](١٩).
والثاني : إخبار عن معنى حادث علمه، وهذا كما رجحنا حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي ﷺ تزوج ميمونة، وهو محرم على حديث يزيد [ بن ](٢٠) الأصم أنه تزوجها وهو حلال، لأن في حديث ابن عباس رضي الله عنه إخبارا عن حالة حادثة، وأخبر الآخر عن ظاهر الأمر الأول.
وبحديث بريدة أنه كان زوجها حرا حتى أعتقت (٢١).
وبرواية (٢٢) من روى أنه كان عبدا يكون (٢٣) الأول أولى لإخباره عن حال حادثة، وفي [ الثاني ](٢٤) إخبار عن ظاهر الحال ويكون(٢٥) الأول أولى، فكذلك هذا.
والرابع أن المهاجرة، لا عدة عليها عند أبي حنيفة، رحمه الله، وعلى قولهما : عليها العدة.
وهذه الآية دليل أبي حنيفة، رحمه الله، من وجوه ؟ فإنه عز وجل قال :﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ نهى عن الرد إلى الزوج الأول، ولو كانت عليها العدة لكان للزوج أن يردها إلى مسكنه البعيد.
ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ [الطلاق: ٦]كيف أمر الأزواج بإسكانهن في بيوتهم ما دمن في عدتهن ؟
فأما ما قال ههنا :﴿فلا ترجعوهن على الكفار﴾ [ فقد ] (٢٦)دل على [ أنه ](٢٧) لا عدة عليها، وكان [ ما ] (٢٨)قال :﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن﴾ فأباح نكاحها مطلقا من غير ذكر العدة وما(٢٩) قال :﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾.
ولو كانت العدة عليها واجبة لكانت [ العصمة ](٣٠) باقية لقوله :﴿فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ [الأحزاب: ٤٩].
ألا تراه كيف جعل العدة في حقه ؟ وإذا كان للزوج عليها حق كانت هي في عصمته، وقوله تعال
١ ساقطة من الأصل وم.
٢ في الأصل و م: إلينا..
٣ في الأصل: فوضوهم من غنيمته أصبتموها، في م: فعوضوهم من غنيمة أصبتموها..
٤ في الأصل و م: الآية..
٥ في الأصل و م: والثاني..
٦ في الأصل و م: أو.
٧ ساقطة من الأصل و م.
٨ ساقطة من الأصل وم.
٩ في الأصل و م: إلى..
١٠ في الأصل وم: والثالث.
١١ في الأصل و م: أو..
١٢ في الأصل و م: دلالة.
١٣ من م في الأصل: بهما أو بان.
١٤ في الأصل و م قال..
١٥ في الأصل و م: له..
١٦ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.
١٧ في الأصل و م: احتجاجه.
١٨ ساقطة من الأصل و م..
١٩ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.
٢٠ ساقطة من الأصل و م.
٢١ من م، في الأصل: اعتقد..
٢٢ في الأصل: وروايته: في م: ورواية..
٢٣ من م، في الأصل: يجوز..
٢٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.
٢٥ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م: وكان..
٢٦ ساقطة من الأصل و م.
٢٧ ساقطة من الأصل و م.
٢٨ ساقطة من الأصل و م.
٢٩ في الأصل وم: وكذا.
٣٠ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: إلينا..
٣ في الأصل: فوضوهم من غنيمته أصبتموها، في م: فعوضوهم من غنيمة أصبتموها..
٤ في الأصل و م: الآية..
٥ في الأصل و م: والثاني..
٦ في الأصل و م: أو.
٧ ساقطة من الأصل و م.
٨ ساقطة من الأصل وم.
٩ في الأصل و م: إلى..
١٠ في الأصل وم: والثالث.
١١ في الأصل و م: أو..
١٢ في الأصل و م: دلالة.
١٣ من م في الأصل: بهما أو بان.
١٤ في الأصل و م قال..
١٥ في الأصل و م: له..
١٦ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.
١٧ في الأصل و م: احتجاجه.
١٨ ساقطة من الأصل و م..
١٩ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.
٢٠ ساقطة من الأصل و م.
٢١ من م، في الأصل: اعتقد..
٢٢ في الأصل: وروايته: في م: ورواية..
٢٣ من م، في الأصل: يجوز..
٢٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.
٢٥ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م: وكان..
٢٦ ساقطة من الأصل و م.
٢٧ ساقطة من الأصل و م.
٢٨ ساقطة من الأصل و م.
٢٩ في الأصل وم: وكذا.
٣٠ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..