تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
قال البخاري : حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي ابن شهاب، عن عمه قال : أخبرني عروة أن عائشة زوج النبي ﷺ، أخبرته : أن رسول الله ﷺ كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ إلى قوله :﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال عروة : قالت عائشة : فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات، قال لها رسول الله ﷺ :" قد بايعتك "، كلامًا، ولا والله ما مست يده يد امرأة قَطّ في المبايعة، ما يبايعهن إلا بقوله :" قد بايعتك على ذلك " هذا لفظ البخاري(١).
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن أميمة بنت رُقَيقة قالت : أتيت رسول الله(٢) ﷺ في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن :﴿أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية، وقال :" فيما استطعتن وأطقتن "، قلنا : الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا : يا رسول الله، ألا تصافحنا ؟ قال " إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة (٣) كقولي لمائة امرأة ".
هذا إسناد صحيح، وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، من حديث سفيان بن عيينة - والنسائي أيضًا من حديث الثوري - ومالك بن أنس كلهم، عن محمد بن المنكدر، به(٤). وقال الترمذي : حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن المنكدر.
وقد رواه أحمد أيضا من حديث محمد ابن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة، به. وزاد :" ولم يصافح منا امرأة " (٥). وكذا رواه ابن جرير من طريق موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، به(٦). ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر الرازي، عن محمد بن المنكدر : حدثتني أميمة بنت رقيقة - وكانت أخت خديجة خالة فاطمة، من فيها إلى في، فذكره.
وقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني سليط بن أيوب بن الحكم بن سُلَيم، عن أمه سلمى بنت قيس - وكانت إحدى خالات رسول الله ﷺ قد صلت معه القبلتين، وكانت إحدى نساء بني عدي بن النجار - قالت : جئت رسول الله ﷺ نبايعه في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا : ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف - قال :" ولا تغشُشْن أزواجكن ". قالت : فبايعناه، ثم انصرفنا، فقلت لامرأة منهن : ارجعي فسلي رسول الله ﷺ : ما غش أزواجنا ؟ قال : فسألته فقال :" تأخذ ماله، فتحابي به غيره " (٧).
وقال الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، حدثني أبي، عن أمه عائشة بنت قُدَامة - يعني : ابن مظعون - قالت : أنا مع أمي رائطة بنت سفيان الخزاعية، والنبي ﷺ يبايع النسوة ويقول :" أبايعكنّ على أن لا تشركن بالله شيئًا، ولا تسرقن، ولا تزنين، ولا تقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، ولا تعصينني في معروف ". [ قالت : فأطرقن. فقال لهن النبي ﷺ ](٨) قُلن : نعم فيما استطعتن ". فَكُنّ يقلن وأقول معهن، وأمي تُلقّني : قولي (٩) أي بنية، نعم [ فيما استطعتُ ](١٠). فكنت أقول كما يقلنٍّ-(١١)
وقال البخاري : حدثنا أبو مَعْمَر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت : بَايَعْنَا رسول الله ﷺ، فقرأ(١٢) علينا :﴿أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها، قالت : أسعدتني فلانة أريد أن أجزيها. فما قال لها رسول الله ﷺ شيئا، فانطلقت ورجعت فبايعها.
ورواه مسلم(١٣). وفي رواية :" فما وفى منهن امرأة غيرها، وغير أم سليم ابنة ملحان ".
وللبخاري عن أم عطية قالت : أخذ علينا رسول الله ﷺ عند البيعة ألا ننوح، فما وَفّت منا امرأة غير خمس نسوة : أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ، وامرأتان - أو : ابنة أبي سَبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى(١٤).
وقد كان رسول الله ﷺ يتعاهدُ النساءَ بهذه البيعة يوم العيد، كما قال البخاري :
حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا هارون بن(١٥) معروف، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني ابن جُرَيج : أن الحسن بن مسلم أخبره، عن طاوس، عن ابن عباس قال : شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب بَعدُ، فنزل نبي الله ﷺ، فكأني أنظر إليه حين(١٦) يُجَلَّس الرجالَ بيده، ثم أقبل يَشقّهم حتى أتى النساء مع بلال فقال :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ حتى فرغ من الآية كلها. ثم قال حين فرغ :" أنتن على ذلك ؟ ". فقالت امرأة واحدة، ولم يجبه غيرها : نعم يا رسول الله - لا يدري الحسن(١٧) من هي - قال :" فتصدقن "، قال : وبسط بلال ثوبه فجعلن(١٨) يلقين الفَتَخَ والخواتيم في ثوب بلال(١٩).
وقال الإمام أحمد : حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش، عن سليمان بن سُليم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال : جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام، فقال :" أبايعك على ألا تشركي بالله شيئًا، ولا تسرقي، ولا تزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يَديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى " (٢٠)
وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن عبادة بن الصامت قال : كنا عند رسول الله ﷺ في مجلس فقال :" تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم - قرأ الآية التي أخذت على النساء ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به، فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه، فهو إلى الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه ". أخرجاه في الصحيحين(٢١).
وقال محمد ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد(٢٢) بن عبد الله اليَزني(٢٣) عن أبي عبد الله عبد الرحمن بن عُسَيلة الصُّنَابجي(٢٤)، عن عبادة بن الصامت قال : كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلا فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفرض الحرب، على ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، وقال :" فإن وَفَيتم فلكم الجنة " رواه ابن أبي حاتم.
وقد روي ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس : أن رسول الله ﷺ أمر عمر بن الخطاب فقال :" قل لهن : إن رسول الله يبايعكن على ألا تشركن بالله شيئًا " - وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة التي شقت بطن حمزة مُنَكرة في النساء - فقالت :" إني إن أتكلم يعرفني، وإن عرفني قتلني ". وإنما تنكرت فرقًا من رسول الله ﷺ، فسكت النسوة اللاتي مع هند، وأبين أن يتكلمن. فقالت هند وهي مُنَكَّرة : كيف تقبل من النساء شيئًا لم تقبله من الرجال ؟ ففطن(٢٥) إليها رسول الله وقال لعمر :" قل لهن : ولا تسرقن ". قالت هند : والله إني لأصيب من أبي سفيان الهَنَات، ما أدري أيحلهن لي أم لا ؟ قال أبو سفيان : ما أصبت من شيء مضى أو قد بقي، فهو لك حلال. فضحك رسول الله ﷺ وعرفها، فدعاها فأخذت بيده، فعاذت(٢٦) به، فقال :" أنت هند ؟ ". قالت : عفا الله عما سلف. فصرف عنها رسول الله ﷺ فقال :" ولا يزنين "، فقالت : يا رسول الله، وهل تزني الحرة ؟ قال :" لا والله ما تزني الحرة ". فقال :" ولا يقتلن أولادهن ". قالت هند : أنت قتلتهم يوم بدر، فأنت وهم أبصر. قال :﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قال :﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال : منعهن أن ينحن، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب ويخدشن الوجوه، ويقطعن الشعور، ويدعون بالثبور. والثبور : الويل(٢٧).
وهذا أثر غريب، وفي بعضه نكارة، والله أعلم ؛ فإن أبا سفيان وامرأته لما أسلما لم يكن رسول الله ﷺ يخيفهما، بل أظهر الصفاء والود له، وكذلك كان الأمر من جانبه، عليه السلام، لهما.
وقال مقاتل بن حيان : أنزلت هذه الآية يوم الفتح، فبايع رسول الله ﷺ الرجال على الصفا، وعمر يبايع النساء تحتها عن رسول الله ﷺ، فذكر بقيته كما تقدم وزاد : فلما قال :﴿وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ قالت هند : ربيناهم صغارًا فقتلتموهم كبارا. فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى. رواه بن أبي حاتم.
وقال بن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، حدثتني عطية بنت سليمان، حدثني عمتي، عن جدتها(٢٨) عن عائشة قالت : جاءت هند بنت عتبة إلى رسول الله ﷺ لتبايعه، فنظر إلى يدها فقال :" اذهبي فغيري يدك ". فذهبت فغيرتها بحناء، ثم جاءت فقال :" أبايعك على ألا تشركي بالله شيئا "، فبايعها وفي يدها سواران من ذهب، فقالت : ما تقول في هذين السوارين ؟ فقال :" جمرتان من جمر جهنم " (٢٩).
فقوله :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ أي : من جاءك منهن يبايع على هذه الشروط فبايعها، ﴿عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ﴾ أي : أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج مقصرًا في نفقتها، فلها أن تأكل من ماله بالمعروف، ما جرت به عادة أمثالها، وإن كان بغير علمه، عملا بحديث هند بنت عتبة أنها قالت : يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شَحِيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، فهل عليَّ جناح إن أخذت من ماله بغير علمه ؟ فقال رسول الله ﷺ :" خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك ". أخرجاه في الصحيحين(٣٠).
وقوله :﴿وَلا يَزْنِينَ﴾ كقوله ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٣٢]. وفي حديث سَمُرة ذكرُ عقوبة الزناة بالعذاب الأليم في نار الجحيم (٣١).
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عُرْوة، عن عائشة قالت : جاءت فاطمة بنت عتبة تبايع رسول الله ﷺ فأخذ عليها :﴿أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ﴾ الآية، قالت : فوضعت يدها على رأسها حياء، فأعجبه ما رأى منه
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن أميمة بنت رُقَيقة قالت : أتيت رسول الله(٢) ﷺ في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن :﴿أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية، وقال :" فيما استطعتن وأطقتن "، قلنا : الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا : يا رسول الله، ألا تصافحنا ؟ قال " إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة (٣) كقولي لمائة امرأة ".
هذا إسناد صحيح، وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، من حديث سفيان بن عيينة - والنسائي أيضًا من حديث الثوري - ومالك بن أنس كلهم، عن محمد بن المنكدر، به(٤). وقال الترمذي : حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن المنكدر.
وقد رواه أحمد أيضا من حديث محمد ابن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة، به. وزاد :" ولم يصافح منا امرأة " (٥). وكذا رواه ابن جرير من طريق موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، به(٦). ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر الرازي، عن محمد بن المنكدر : حدثتني أميمة بنت رقيقة - وكانت أخت خديجة خالة فاطمة، من فيها إلى في، فذكره.
وقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني سليط بن أيوب بن الحكم بن سُلَيم، عن أمه سلمى بنت قيس - وكانت إحدى خالات رسول الله ﷺ قد صلت معه القبلتين، وكانت إحدى نساء بني عدي بن النجار - قالت : جئت رسول الله ﷺ نبايعه في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا : ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف - قال :" ولا تغشُشْن أزواجكن ". قالت : فبايعناه، ثم انصرفنا، فقلت لامرأة منهن : ارجعي فسلي رسول الله ﷺ : ما غش أزواجنا ؟ قال : فسألته فقال :" تأخذ ماله، فتحابي به غيره " (٧).
وقال الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، حدثني أبي، عن أمه عائشة بنت قُدَامة - يعني : ابن مظعون - قالت : أنا مع أمي رائطة بنت سفيان الخزاعية، والنبي ﷺ يبايع النسوة ويقول :" أبايعكنّ على أن لا تشركن بالله شيئًا، ولا تسرقن، ولا تزنين، ولا تقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، ولا تعصينني في معروف ". [ قالت : فأطرقن. فقال لهن النبي ﷺ ](٨) قُلن : نعم فيما استطعتن ". فَكُنّ يقلن وأقول معهن، وأمي تُلقّني : قولي (٩) أي بنية، نعم [ فيما استطعتُ ](١٠). فكنت أقول كما يقلنٍّ-(١١)
وقال البخاري : حدثنا أبو مَعْمَر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت : بَايَعْنَا رسول الله ﷺ، فقرأ(١٢) علينا :﴿أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها، قالت : أسعدتني فلانة أريد أن أجزيها. فما قال لها رسول الله ﷺ شيئا، فانطلقت ورجعت فبايعها.
ورواه مسلم(١٣). وفي رواية :" فما وفى منهن امرأة غيرها، وغير أم سليم ابنة ملحان ".
وللبخاري عن أم عطية قالت : أخذ علينا رسول الله ﷺ عند البيعة ألا ننوح، فما وَفّت منا امرأة غير خمس نسوة : أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ، وامرأتان - أو : ابنة أبي سَبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى(١٤).
وقد كان رسول الله ﷺ يتعاهدُ النساءَ بهذه البيعة يوم العيد، كما قال البخاري :
حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا هارون بن(١٥) معروف، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني ابن جُرَيج : أن الحسن بن مسلم أخبره، عن طاوس، عن ابن عباس قال : شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب بَعدُ، فنزل نبي الله ﷺ، فكأني أنظر إليه حين(١٦) يُجَلَّس الرجالَ بيده، ثم أقبل يَشقّهم حتى أتى النساء مع بلال فقال :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ حتى فرغ من الآية كلها. ثم قال حين فرغ :" أنتن على ذلك ؟ ". فقالت امرأة واحدة، ولم يجبه غيرها : نعم يا رسول الله - لا يدري الحسن(١٧) من هي - قال :" فتصدقن "، قال : وبسط بلال ثوبه فجعلن(١٨) يلقين الفَتَخَ والخواتيم في ثوب بلال(١٩).
وقال الإمام أحمد : حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش، عن سليمان بن سُليم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال : جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام، فقال :" أبايعك على ألا تشركي بالله شيئًا، ولا تسرقي، ولا تزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يَديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى " (٢٠)
وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن عبادة بن الصامت قال : كنا عند رسول الله ﷺ في مجلس فقال :" تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم - قرأ الآية التي أخذت على النساء ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به، فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه، فهو إلى الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه ". أخرجاه في الصحيحين(٢١).
وقال محمد ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد(٢٢) بن عبد الله اليَزني(٢٣) عن أبي عبد الله عبد الرحمن بن عُسَيلة الصُّنَابجي(٢٤)، عن عبادة بن الصامت قال : كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلا فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفرض الحرب، على ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، وقال :" فإن وَفَيتم فلكم الجنة " رواه ابن أبي حاتم.
وقد روي ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس : أن رسول الله ﷺ أمر عمر بن الخطاب فقال :" قل لهن : إن رسول الله يبايعكن على ألا تشركن بالله شيئًا " - وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة التي شقت بطن حمزة مُنَكرة في النساء - فقالت :" إني إن أتكلم يعرفني، وإن عرفني قتلني ". وإنما تنكرت فرقًا من رسول الله ﷺ، فسكت النسوة اللاتي مع هند، وأبين أن يتكلمن. فقالت هند وهي مُنَكَّرة : كيف تقبل من النساء شيئًا لم تقبله من الرجال ؟ ففطن(٢٥) إليها رسول الله وقال لعمر :" قل لهن : ولا تسرقن ". قالت هند : والله إني لأصيب من أبي سفيان الهَنَات، ما أدري أيحلهن لي أم لا ؟ قال أبو سفيان : ما أصبت من شيء مضى أو قد بقي، فهو لك حلال. فضحك رسول الله ﷺ وعرفها، فدعاها فأخذت بيده، فعاذت(٢٦) به، فقال :" أنت هند ؟ ". قالت : عفا الله عما سلف. فصرف عنها رسول الله ﷺ فقال :" ولا يزنين "، فقالت : يا رسول الله، وهل تزني الحرة ؟ قال :" لا والله ما تزني الحرة ". فقال :" ولا يقتلن أولادهن ". قالت هند : أنت قتلتهم يوم بدر، فأنت وهم أبصر. قال :﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قال :﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال : منعهن أن ينحن، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب ويخدشن الوجوه، ويقطعن الشعور، ويدعون بالثبور. والثبور : الويل(٢٧).
وهذا أثر غريب، وفي بعضه نكارة، والله أعلم ؛ فإن أبا سفيان وامرأته لما أسلما لم يكن رسول الله ﷺ يخيفهما، بل أظهر الصفاء والود له، وكذلك كان الأمر من جانبه، عليه السلام، لهما.
وقال مقاتل بن حيان : أنزلت هذه الآية يوم الفتح، فبايع رسول الله ﷺ الرجال على الصفا، وعمر يبايع النساء تحتها عن رسول الله ﷺ، فذكر بقيته كما تقدم وزاد : فلما قال :﴿وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ قالت هند : ربيناهم صغارًا فقتلتموهم كبارا. فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى. رواه بن أبي حاتم.
وقال بن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، حدثتني عطية بنت سليمان، حدثني عمتي، عن جدتها(٢٨) عن عائشة قالت : جاءت هند بنت عتبة إلى رسول الله ﷺ لتبايعه، فنظر إلى يدها فقال :" اذهبي فغيري يدك ". فذهبت فغيرتها بحناء، ثم جاءت فقال :" أبايعك على ألا تشركي بالله شيئا "، فبايعها وفي يدها سواران من ذهب، فقالت : ما تقول في هذين السوارين ؟ فقال :" جمرتان من جمر جهنم " (٢٩).
فقوله :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ أي : من جاءك منهن يبايع على هذه الشروط فبايعها، ﴿عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ﴾ أي : أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج مقصرًا في نفقتها، فلها أن تأكل من ماله بالمعروف، ما جرت به عادة أمثالها، وإن كان بغير علمه، عملا بحديث هند بنت عتبة أنها قالت : يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شَحِيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، فهل عليَّ جناح إن أخذت من ماله بغير علمه ؟ فقال رسول الله ﷺ :" خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك ". أخرجاه في الصحيحين(٣٠).
وقوله :﴿وَلا يَزْنِينَ﴾ كقوله ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٣٢]. وفي حديث سَمُرة ذكرُ عقوبة الزناة بالعذاب الأليم في نار الجحيم (٣١).
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عُرْوة، عن عائشة قالت : جاءت فاطمة بنت عتبة تبايع رسول الله ﷺ فأخذ عليها :﴿أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ﴾ الآية، قالت : فوضعت يدها على رأسها حياء، فأعجبه ما رأى منه
١ - (١) صحيح البخاري برقم (٤٨٩١) ووقع في رواية أبي ذر: "حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن إبراهيم"..
٢ - (٢) في م: "أتيت النبي"..
٣ - (٣) في م: "واحدة منكن"..
٤ - (٤) المسند (٦/٣٥٧) وسنن الترمذي برقم (١٥٩٧) وسنن النسائي (٧/١٤٩) وسنن ابن ماجة برقم (٢٨٧٤)..
٥ - (٥) المسند (٦/٣٥٧)..
٦ - (٦) تفسير الطبري (٢٨/٥٣)..
٧ - (٧) المسند (٦/٣٧٩)..
٨ - (١) زيادة من مسند الإمام أحمد..
٩ - (٢) زيادة من مسند الإمام أحمد، وفي هـ، م، أ: "تقول لي"..
١٠ - (٣) زيادة من مسند الإمام أحمد..
١١ - (٤) المسند (٦/٣٦٥)..
١٢ - (٥) في م: "فشرط"..
١٣ - (٦) صحيح البخاري برقم (٤٨٩٢) وصحيح مسلم برقم (٩٣٦)..
١٤ - (٧) صحيح البخاري برقم (١٣٠٦)..
١٥ - (٨) في م: "حدثنا"..
١٦ - (٩) في م: "إليه حتى"..
١٧ - (١٠) في م، أ: "لا يدري حسن"..
١٨ - (١١) في م: "فجعل"..
١٩ - (١) صحيح البخاري برقم (٤٨٩٥)..
٢٠ - (٢) المسند (٢/١٩٦)..
٢١ - (٣) المسند (٥/٣١٤) وصحيح البخاري برقم (٤٨٩٤) وصحيح مسلم برقم (١٧٠٩)..
٢٢ - (٤) في م: "يزيد"..
٢٣ - (٥) في أ: "المزني"..
٢٤ - (٦) في أ: "الصالحي"..
٢٥ - (٧) في أ: "فنظر"..
٢٦ - (٨) في أ: "فعادتنا"..
٢٧ - (١) تفسير الطبري (٢٨/٥٢)..
٢٨ - (٢) في أ: "حدثني عمي عن جدي"..
٢٩ - (٣) ورواه أبو يعلى في المسند (٨/١٩٥) عن نصر بن على به نحوه، وقال الهيثمي في المجمع (٦/٣٧): "فيه من لم أعرفهن"..
٣٠ - (٤) صحيح البخاري برقم (٧١٨٠) وصحيح مسلم برقم (١٧١٤)..
٣١ - (٥) رواه الإمام أحمد في المسند (٥/١٥)..
٢ - (٢) في م: "أتيت النبي"..
٣ - (٣) في م: "واحدة منكن"..
٤ - (٤) المسند (٦/٣٥٧) وسنن الترمذي برقم (١٥٩٧) وسنن النسائي (٧/١٤٩) وسنن ابن ماجة برقم (٢٨٧٤)..
٥ - (٥) المسند (٦/٣٥٧)..
٦ - (٦) تفسير الطبري (٢٨/٥٣)..
٧ - (٧) المسند (٦/٣٧٩)..
٨ - (١) زيادة من مسند الإمام أحمد..
٩ - (٢) زيادة من مسند الإمام أحمد، وفي هـ، م، أ: "تقول لي"..
١٠ - (٣) زيادة من مسند الإمام أحمد..
١١ - (٤) المسند (٦/٣٦٥)..
١٢ - (٥) في م: "فشرط"..
١٣ - (٦) صحيح البخاري برقم (٤٨٩٢) وصحيح مسلم برقم (٩٣٦)..
١٤ - (٧) صحيح البخاري برقم (١٣٠٦)..
١٥ - (٨) في م: "حدثنا"..
١٦ - (٩) في م: "إليه حتى"..
١٧ - (١٠) في م، أ: "لا يدري حسن"..
١٨ - (١١) في م: "فجعل"..
١٩ - (١) صحيح البخاري برقم (٤٨٩٥)..
٢٠ - (٢) المسند (٢/١٩٦)..
٢١ - (٣) المسند (٥/٣١٤) وصحيح البخاري برقم (٤٨٩٤) وصحيح مسلم برقم (١٧٠٩)..
٢٢ - (٤) في م: "يزيد"..
٢٣ - (٥) في أ: "المزني"..
٢٤ - (٦) في أ: "الصالحي"..
٢٥ - (٧) في أ: "فنظر"..
٢٦ - (٨) في أ: "فعادتنا"..
٢٧ - (١) تفسير الطبري (٢٨/٥٢)..
٢٨ - (٢) في أ: "حدثني عمي عن جدي"..
٢٩ - (٣) ورواه أبو يعلى في المسند (٨/١٩٥) عن نصر بن على به نحوه، وقال الهيثمي في المجمع (٦/٣٧): "فيه من لم أعرفهن"..
٣٠ - (٤) صحيح البخاري برقم (٧١٨٠) وصحيح مسلم برقم (١٧١٤)..
٣١ - (٥) رواه الإمام أحمد في المسند (٥/١٥)..