تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين، كالنساء والضعفة منهم، ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ أي : تحسنوا إليهم ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ أي : تعدلوا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء - هي بنت أبي بكر، رضي الله عنهما - قالت : قَدَمت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيتُ النبي(١) ﷺ فقلت : يا رسول الله، إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها ؟ قال :" نعم، صلي أمك " أخرجاه(٢).
وقال الإمام أحمد : حدثنا عارم، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مصعب بن ثابت، حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال : قدمت قُتَيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا : صِنَاب وأقط(٣) وسمن، وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها تدخلها بيتها، فسألت عائشة النبي ﷺ، فأنزل الله، عز وجل :﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ إلى آخر الآية، فأمرها أن تقبل هديتها، وأن تدخلها بيتها.
وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، من حديث مصعب بن ثابت، به (٤). وفي رواية لأحمد وابن(٥) جرير :" قُتَيلة بنت عبد العزي بن [ عبد ] (٦) أسعد، من بني مالك بن حسل(٧). وزاد ابن أبي حاتم :" في المدة التي كانت بين قريش، ورسول الله ﷺ ".
وقال أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار : حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو قتادة العدوي، عن ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة وأسماء أنهما قالتا : قدمت علينا أمنا المدينة، وهي مشركة، في الهدنة التي كانت بين قريش وبين رسول الله ﷺ، فقلنا : يا رسول الله، إن أمنا قدمت علينا المدينة راغبةً، أفنصلها ؟ قال :" نعم، فَصِلاها " (٨).
ثم قال : وهذا الحديث لا نعلمه يروي عن الزهري، عن عروة، عن عائشة إلا من هذا الوجه.
قلت : وهو منكر بهذا السياق ؛ لأن أم عائشة هي أم رومان، وكانت مسلمة مهاجرة وأم أسماء غيرها، كما هو مصرح باسمها في هذه الأحاديث المتقدمة والله أعلم.
وقوله :﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ تقدم تفسير ذلك في سورة " الحجرات "، وأورد الحديث الصحيح :( المقسطون على منابر من نور عن يمين العرش، الذين يعدلون في حكمهم، وأهاليهم، وما وَلُوا ) (٩).
١ - (٣) في م: "رسول الله"..
٢ - (٤) الحديث وقع لي من غير هذا الطريق، انظر: المسند (٦/٣٤٤، ٣٤٧) وصحيح البخاري برقم (٢٦٢٠، ٣١٨٣، ٥٩٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٠٠٣)..
٣ - (٥) في م: " وصناب وقرظ"، وفي أ: "وضباب وقرط"، والمثبت من اللطبري..
٤ - (٦) المسند (٤/٤) وتفسير الطبري (٢٨/٤٣)..
٥ - (٧) في م: "ولابن"..
٦ - (٨) زيادة من مسند الإمام أحمد..
٧ - (٩) في أ: "قبيلة بنت العزي بن سعد من بني مالك بن حنبل"..
٨ - (١) مسند البزار برقم (١٨٧٣) "كشف الأستار" وقال الهيثمي: "حديث أسماء في الصحيح، وأم عائشة غير أم أسماء"؛ ولهذا أنكره الحافظ هنا، وفيه عبد الله بن شبيب شيخ البزار ضعيف..
٩ - (٢) صحيح مسلم برقم (١٨٢٧) من حديث عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى