محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٨ من سورة الممتحنة في ١٠٤ كتب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و١٤ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٨ من سورة الممتحنة

١٠٤ كتب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿لاّ يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرّوهُمْ وَتُقْسِطُوَاْ إِلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
يقول تعالى ذكره :﴿لا يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ﴾من أهل مكة ﴿وَلم يُخْرِجوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أنْ تَبرّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾يقول : وتعدلوا فيهم بإحسانكم إليهم، وبرّكم بهم.
واختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بهذه الآية، فقال بعضهم : عُني بها : الذين كانوا آمنوا بمكة ولم يهاجروا، فأذن الله للمؤمنين ببرّهم والإحسان إليهم.
ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : لا يَنْهاكُمْ اللّهُ عَن الّذِينَ لَم يُقَاتِلُوكُم فِي الدّينِ أن تستغفروا لهم، و وتبروّهم وتقسطوا إليهم قال : وهم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا. وقال آخرون : عُنِي بها من غير أهل مكة مَنْ لم يهاجر.
ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن إبراهيم الأنماطيّ، قال : حدثنا هارون بن معروف، قال : حدثنا بشر بن السري، قال : حدثنا مصعب بن ثابت، عن عمه عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال : نزلت في أسماء بنت أبي بكر، وكانت لها أمّ في الجاهلية يقال لها قُتَيلة ابنة عبد العُزى، فأتتها بهدايا وصِنَاب وأقط وَسمْن، فقالت : لا أقبل لك هدية، ولا تدخلي عليّ حتى يأذن رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك عائشة لرسول الله ﷺ، فأنزل الله لا يَنْهاكُمْ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ. . . إلى قوله : المُقْسِطِينَ.
قال : ثنا إبراهيم بن الحجاج، قال : حدثنا عبد الله بن المبارك، قال : حدثنا مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال : قَدِمتْ قُتَيلة بنت عبد العُزى بن سعد من بني مالك بن حِسْل على ابنتها أسماء بنت أبي بكر، فذكر نحوه.
وقال آخرون : بل عُنِي بها من مشركي مكة من لم يقاتل المؤمنين، ولم يخرجوهم من ديارهم قال : ونسخ الله ذلك بعدُ بالأمر بقتالهم.
ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : وسألته عن قول الله عزّ وجلّ : لا يَنْهاكُمُ اللّهُ. . . الآية، فقال : هذا قد نسخ، نَسَخه، القتال، أمروا أن يرجعوا إليهم بالسيوف، ويجاهدوهم بها، يضربونهم، وضرب الله لهم أجل أربعة أشهر، إما المذابحة، وإما الإسلام.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله ﴿لا يَنْهاكُمُ اللّهُ. . .﴾الآية، قال : نسختها ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ﴾.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : عُنِي بذلك : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبرّوهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم، إن الله عزّ وجلّ عمّ بقوله ﴿الّذِينَ لَمْ يُقاتلُوكُمْ فِي الدّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكمْ مِنْ دِيارِكُمْ﴾جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصُصْ به بعضا دون بعض، ولا معنى لقول من قال : ذلك منسوخ، لأن برّ المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير محرّم ولا منهي عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكُراع أو سلاح. قد بين صحة ما قلنا في ذلك، الخبر الذي ذكرناه عن ابن الزبير في قصة أسماء وأمها.
وقوله :﴿إنّ اللّهُ يُحِبّ المُقْسِطِينَ﴾يقول : إن الله يحبّ المنصفين الذين ينصفون الناس، ويعطونهم الحقّ والعدل من أنفسهم، فيبرّون من برّهم، ويُحْسنون إلى من أحسن إليهم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
منهم، فصاروا لهم أولياء وأحزابًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً) قال: هؤلاء المشركون قد فعل، قد أدخلهم في السلم وجعل بينهم مودّة حين كان الإسلام حين الفتح.
وقوله: (وَاللَّهُ قَدِيرٌ) يقول: والله ذو قدرة على أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم من المشركين مودّة (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يقول: والله غفور لخطيئة من ألقى إلى المشركين بالمودّة إذا تاب منها، رحيم بهم أن يعذّبهم بعد توبتهم منها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ) على ذلك (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يغفر الذنوب الكثيرة، رحيم بعباده.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾
يقول تعالى ذكره: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ) من أهل مكة (وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) يقول: وتعدلوا فيهم بإحسانكم إليهم، وبرّكم بهم.
واختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عُني بها: الذين كانوا آمنوا بمكة ولم يهاجروا، فأذن الله للمؤمنين ببرّهم والإحسان إليهم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ) أن تستغفروا لهم، (أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) ؛ قال: وهم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا.
وقال آخرون: عني بها من غير أهل مكة من لم يهاجر.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن إبراهيم الأنماطيّ، قال: ثنا هارون بن معروف، قال: ثنا بشر بن السريّ، قال: ثنا مصعب بن ثابت، عن عمه عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: نزلت في أسماء بنت أبي بكر، وكانت لها أمّ فى الجاهلية يقال لها قّتَيلة ابنة عبد العُزّى، فأتتها بهدايا وصناب وأقط وسَمْن، فقالت: لا اقبل لك هدية، ولا تدخلي عليّ حتى يأذن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فذكرت ذلك عائشة لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فأنزل الله (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ)... إلى قوله: (الْمُقْسِطِينَ).
قال ثنا إبراهيم بن الحجاج، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، قال: ثنا مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: قَدِمَتْ قُتَيلة بنت عبد العُزّى بن سعد من بني مالك بن حِسْل على ابنتها أسماء بنت أبي بكر، فذكر نحوه.
وقال آخرون: بل عُنِي بها من مشركي مكة من لم يقاتل المؤمنين، ولم

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين، كالنساء والضعفة منهم، ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ أي : تحسنوا إليهم ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ أي : تعدلوا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء - هي بنت أبي بكر، رضي الله عنهما - قالت : قَدَمت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيتُ النبي(١) ﷺ فقلت : يا رسول الله، إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها ؟ قال :" نعم، صلي أمك " أخرجاه(٢).
وقال الإمام أحمد : حدثنا عارم، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مصعب بن ثابت، حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال : قدمت قُتَيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا : صِنَاب وأقط(٣) وسمن، وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها تدخلها بيتها، فسألت عائشة النبي ﷺ، فأنزل الله، عز وجل :﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ إلى آخر الآية، فأمرها أن تقبل هديتها، وأن تدخلها بيتها.
وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، من حديث مصعب بن ثابت، به (٤). وفي رواية لأحمد وابن(٥) جرير :" قُتَيلة بنت عبد العزي بن [ عبد ] (٦) أسعد، من بني مالك بن حسل(٧). وزاد ابن أبي حاتم :" في المدة التي كانت بين قريش، ورسول الله ﷺ ".
وقال أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار : حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو قتادة العدوي، عن ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة وأسماء أنهما قالتا : قدمت علينا أمنا المدينة، وهي مشركة، في الهدنة التي كانت بين قريش وبين رسول الله ﷺ، فقلنا : يا رسول الله، إن أمنا قدمت علينا المدينة راغبةً، أفنصلها ؟ قال :" نعم، فَصِلاها " (٨).
ثم قال : وهذا الحديث لا نعلمه يروي عن الزهري، عن عروة، عن عائشة إلا من هذا الوجه.
قلت : وهو منكر بهذا السياق ؛ لأن أم عائشة هي أم رومان، وكانت مسلمة مهاجرة وأم أسماء غيرها، كما هو مصرح باسمها في هذه الأحاديث المتقدمة والله أعلم.
وقوله :﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ تقدم تفسير ذلك في سورة " الحجرات "، وأورد الحديث الصحيح :( المقسطون على منابر من نور عن يمين العرش، الذين يعدلون في حكمهم، وأهاليهم، وما وَلُوا ) (٩).
١ - (٣) في م: "رسول الله"..
٢ - (٤) الحديث وقع لي من غير هذا الطريق، انظر: المسند (٦/٣٤٤، ٣٤٧) وصحيح البخاري برقم (٢٦٢٠، ٣١٨٣، ٥٩٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٠٠٣)..
٣ - (٥) في م: " وصناب وقرظ"، وفي أ: "وضباب وقرط"، والمثبت من اللطبري..
٤ - (٦) المسند (٤/٤) وتفسير الطبري (٢٨/٤٣)..
٥ - (٧) في م: "ولابن"..
٦ - (٨) زيادة من مسند الإمام أحمد..
٧ - (٩) في أ: "قبيلة بنت العزي بن سعد من بني مالك بن حنبل"..
٨ - (١) مسند البزار برقم (١٨٧٣) "كشف الأستار" وقال الهيثمي: "حديث أسماء في الصحيح، وأم عائشة غير أم أسماء"؛ ولهذا أنكره الحافظ هنا، وفيه عبد الله بن شبيب شيخ البزار ضعيف..
٩ - (٢) صحيح مسلم برقم (١٨٢٧) من حديث عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
فأخبرهم الله أن ذلك لا يدخل في المحرم فقال :﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي : لا ينهاكم الله عن البر والصلة، والمكافأة بالمعروف، والقسط للمشركين، من أقاربكم وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصلوهم، فإن صلتهم في هذه الحالة، لا محذور فيها ولا مفسدة(١)  كما قال تعالى عن الأبوين المشركين إذا كان ولدهما مسلما :﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾.
١ - في ب: ولا تبعة..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
ثم كرر الحث [لهم] على الاقتداء بهم، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وليس كل أحد تسهل عليه هذه الأسوة، وإنما تسهل على من ﴿كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ فإن الإيمان واحتساب الأجر والثواب، يسهل على العبد كل عسير، ويقلل لديه كل كثير، ويوجب له الإكثار من الاقتداء بعباد الله الصالحين، والأنبياء والمرسلين، فإنه يرى نفسه مفتقرا ومضطرا إلى ذلك غاية الاضطرار.
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ عن طاعة الله والتأسي برسل الله، فلن يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئا، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ الذي له الغنى التام [المطلق] من جميع الوجوه، فلا يحتاج إلى أحد من خلقه [بوجه]، ﴿الْحَمِيدُ﴾ في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فإنه محمود على ذلك كله.
ثم أخبر تعالى أن هذه العداوة التي أمر الله بها المؤمنين للمشركين، ووصفهم بالقيام بها أنهم ما داموا على شركهم وكفرهم، وأنهم إن انتقلوا إلى الإيمان، فإن الحكم يدور مع علته، فإن المودة (١) الإيمانية ترجع، فلا تيأسوا أيها المؤمنون، من رجوعهم إلى الإيمان، فـ ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ سببها رجوعهم إلى الإيمان، ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾ على كل شيء، ومن ذلك هداية القلوب وتقليبها من حال إلى حال، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، ولا يكبر عليه عيب أن يستره، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وفي هذه الآية إشارة وبشارة إلى إسلام بعض المشركين، الذين كانوا إذ ذاك أعداء للمؤمنين، وقد وقع ذلك، ولله الحمد والمنة.
ولما نزلت هذه الآيات الكريمات، المهيجة على عداوة الكافرين، وقعت من المؤمنين كل موقع، وقاموا بها أتم القيام، وتأثموا من صلة بعض أقاربهم المشركين، وظنوا أن ذلك داخل فيما نهى الله عنه.
فأخبرهم الله أن ذلك لا يدخل في المحرم فقال: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ -[٨٥٧]- أي: لا ينهاكم الله عن البر والصلة، والمكافأة بالمعروف، والقسط للمشركين، من أقاربكم وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصلوهم، فإن صلتهم في هذه الحالة، لا محذور فيها ولا مفسدة (٢) كما قال تعالى عن الأبوين المشركين إذا كان ولدهما مسلما: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾
[وقوله:] ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي: لأجل دينكم، عداوة لدين الله ولمن قام به، ﴿وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا﴾ أي: عاونوا غيرهم ﴿عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾ نهاكم الله ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ بالمودة والنصرة، بالقول والفعل، وأما بركم وإحسانكم، الذي ليس بتول للمشركين، فلم ينهكم الله عنه، بل ذلك داخل في عموم الأمر بالإحسان إلى الأقارب وغيرهم من الآدميين، وغيرهم.
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وذلك الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان توليا تاما، صار (٣) ذلك كفرا مخرجا عن دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ، وما هو دون ذلك.
(١) في ب: والمودة.
(٢) في ب: ولا تبعة.
(٣) في ب: كان ذلك.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٤ كتب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء تفسير القرآن — الصنعاني تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
تَبَرُّوهُمْ
تُكْرِمُوهُمْ.
وَتُقْسِطُوا
تَعْدِلُوا فِيهِمْ.
الْمُقْسِطِينَ
العَادِلِينَ.

إعراب الآية ٨ من سورة الممتحنة

من كتاب: إعراب القرآن

تكره إلى ما تحبّ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ أي مصيرنا ومصير الخلق يوم القيامة.

[سورة الممتحنة (٦٠) : آية ٥]

رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: تقول: لا تسلّطهم علينا فيفتنونا وَاغْفِرْ لَنا ولا يجوز إدغام الراء في اللام لئلا يذهب تكرير الراء. إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ في انتقامك ممن انتقمت منه الْحَكِيمُ في تدبير عبادك.

[سورة الممتحنة (٦٠) : آية ٦]

لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ولم يقل: كانت لأن التأنيث غير حقيقي معناه التأسي لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ أي ثوابه وَالْيَوْمَ الْآخِرَ أي نجاته وَمَنْ يَتَوَلَّ جزم بالشرط فلذلك حذفت منه الياء، والجواب فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ.

[سورة الممتحنة (٦٠) : آية ٧]

عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)
أَنْ يَجْعَلَ ومن العرب من يحذف «أن» بعد «عسى» قال ابن زيد: ففتحت مكة فكانت المودة بإسلامهم وَاللَّهُ قَدِيرٌ أي على أن يجعل بينكم وبينهم مودة. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي لمن اتخذهم أولياء وألقى إليهم بالمودة إذا تاب رحيم به لمن يعذبه بعد التوبة. والرحمة من الله جلّ وعزّ قبول العمل والإثابة عليه.

[سورة الممتحنة (٦٠) : آية ٨]

لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)
قال أبو جعفر: قد ذكرناه. وليس لقول من قال: إنها منسوخة معنى: لأن البرّ في اللغة إنما هو لين الكلام والمواساة، وليس هذا محظورا أن يفعله أحد بكافر. وكذا الإقساط إنما هو العدل والمكافأة بالحسن عن الحسن. ألا ترى أن بعده إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وأن في موضع خفض على البدل من الَّذِينَ ويجوز أن يكون في موضع نصب أي لا ينهاكم كراهة هذا.

[سورة الممتحنة (٦٠) : آية ٩]

إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)
أَنْ تَوَلَّوْهُمْ والأصل تتولّوهم. وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ أي ينصرهم ويودّهم فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي الذين جعلوا المودة في غير موضعها. والظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٨ من سورة الممتحنة

من كتاب: المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

١٧٩ - قال الله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
١ - أخرج البخاري عن أسماء بنت أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالت: أتتني أمي راغبةً، في عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: آصِلُها؟ قال: (نعم). قال ابن عيينة: فأنزل اللَّه تعالى فيها: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ).
٢ - وأخرج أحمد عن عبد اللَّه بن الزبير قال: قدمت قَيْلة ابنت عبد العزى بن عبد أسعد - من بني مالك بن حِسْل - على ابنتها أسماء ابنة أبي بكر بهدايا ضباب وأقط وسمن - وهي مشركة - فأبت أسماء أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها. فسألت عائشة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا
يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ) إلى آخر الآية فأمرها أن تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر هذين الحديثين البغوي والقرطبي وابن كثير.
قال ابن كثير: (لا ينهاكم اللَّه عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين ولم يعاونوا على إخراجكم كالنساء والضعفة منهم أن تحسنوا إليهم وتعدلوا) اهـ. بتصرف.
أما الطبري وابن عطية فقد ذكرا حديث عبد الله بن الزبير فقط.
وقال السعدي: (ولما نزلت هذه الآيات الكريمات المهيجة على عداوة الكافرين وقعت ميق المؤمنين كل موقع، وقاموا بها أتم القيام، وتأثموا من صلة بعض أقاربهم المشركين وظنوا أن ذلك داخل فيما نهى اللَّه عنه فأخبرهم الله أن ذلك لا يدخل في المحرم فقال: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) أي لا ينهاكم الله عن البر والصلة والمكافأة بالمعروف والقسط للمشركين من أقاربكم وغيرهم حيث كانوا بحال لم ينصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم
فليس عليكم جناح أن تصلوهم فإن صلتهم في هذه الحالة لا محذور فيها ولا تبعة) اهـ.
وقال ابن حجر: (قال ابن عيينة: فأنزل اللَّه فيها: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ) وكذا وقع في آخر حديث عبد اللَّه بن الزبير ولعل ابن عيينة تلقاه منه، وروى ابن أبي حاتم عن السدي أنها نزلت في ناس من المشركين كانوا ألين شيء جانبًا للمسلمين وأحسنه أخلاقًا. قلت: ولا منافاة بينهما فإن السبب خاص واللفظ عام فيتناول كل من كان في معنى والدة أسماء) اهـ.
قلت: وفي نفسي من ذكر نزول الآية هنا شيء للأسباب التالية:
١ - أن جميع الطرق عن هشام بن عروة خلت من ذكر النزول إلا سفيان بن عيينة فوحده ذكر النزول عند البخاري، فربما قال هذا تفقهًا من عنده، أو تفقهًا ممن أخبره.
٢ - أن المفسرين عند ذكرهم لهذا تلمس وتُحس في أقوالهم الريب والتردد، ولم يقابلوا الحديث على صحته بالحفاوة والتعليق كالمعتاد بل الطبري على إمامته في التفسير لم يذكر حديث أسماء عند البخاري، ومن ذكره قال وقيل: إنه سبب نزول الآية.
٣ - أن سياق الآيات مرتبط ببعضه من أول السورة إلى الآية التاسعة ويدل على هذا الارتباط أن الله ذكر إخراج المشركين للرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والمؤمنين معه في أول آية من السورة ثم ذكر في الآية الثامنة والتاسعة أيضًا الإخراج من الديار وإذا كان آخرها مرتبطًا بأولها فهذا يعني أنها نزلت في سياق الآيات التي تعاتب حاطبًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ولا صلة لها بقضية أسماء - رضي الله عنها - وأمها إلا من حيث إن عموم لفظها يتناولها أما أن تكون سببها ابتداءً فلا.
* النتيجة:
أن الحديث المذكور ليس سببًا لنزول الآية للشك في ثبوتها (أعني - زيادة التصريح بالنزول) وضعف الحديث الآخر، وتردد بعض المفسرين في إثبات النزول، مع اتصال الآية بقصة حاطب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - واللَّه أعلم.

القراءات في الآية ٨ من سورة الممتحنة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

إِلَيْهِمْ إِنَّ

(إِلَيْهُمْ) بضم الهاء وإسكان الميم دون سكت

رويس عن يعقوب روح عن يعقوب خلاد عن حمزة خلف عن حمزة

(إِلَيْهُمْ) بضم الهاء وإسكان الميم مع السكت

خلف عن حمزة

(إِلَيْهِمْ) بكسر الهاء وإسكان الميم دون سكت عليها

شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر حفص عن عاصم السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي إدريس عن خلف قالون عن نافع أبو الحارث عن الكسائي

(إِلَيْهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم ومدها 3 حركات

قالون عن نافع

(إِلَيْهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم ومدها 6 حركات

ورش عن نافع

(إِلَيْهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم ومدها حركتين

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر قالون عن نافع قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير

دِيَارِكُمْ أَن

إمالة الألف واسكان الميم دون سكت

السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو الدوري عن الكسائي

تقليل الألف وصلة الميم ومدها 6 حركات

ورش عن نافع

فتح الألف وإسكان الميم دون سكت عليها

رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر قالون عن نافع

فتح الألف واسكان الميم مع السكت عليها

خلف عن حمزة

فتح الألف وصلة الميم ومدها 3 حركات

قالون عن نافع

فتح الألف وصلة الميم ومدها حركتين

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٤ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

النسخ في الآية

٦ أقوال
١
قال محمد بن شهاب الزُّهريّ: قال تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ [الممتحنة:٨-٩] نُسختْ، فقال تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين﴾ [التوبة:١-٢]، فجعل لهم أجلًا أربعة أشهر يَسيحون في الأرض، ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم﴾ [التوبة:٥]، وقال عز وجل: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة:٦]١
التخريج
  1. ١الناسخ والمنسوخ للزهري ص٢٤-٢٦.
٢
عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم- أنه قال: قال في سورة النساء [٩٠]: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أوْ جاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أنْ يُقاتِلُوكُمْ أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وأَلْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾، وقال: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكُمْ ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ويَكُفُّوا أيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ واقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وأُولَئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١]، وقال في سورة الممتحنة: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِن دِيارِكُمْ أنْ تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾، ثم قال فيها: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وأَخْرَجُوكُمْ مِن دِيارِكُمْ وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكُمْ أنْ تَوَلَّوْهُمْ ومَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾، فنَسخ هؤلاء الآيات في شأن المشركين، فقال: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ [التوبة:١-٢]، فجَعل لهم أجلًا أربعة أشهر يَسيحون فيها، وأَبطل ما كان قبل ذلك، ثم قال في الآية التي تليها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ وخُذُوهُمْ واحْصُرُوهُمْ واقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:٥]، ثم نسخ واستثنى: ﴿فَإنْ تابُوا وأَقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٥]، وقال: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة:٦]١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع -تفسير القرآن ٣‏/‏٧٠-٧٢ (١٥٨).
٣
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله تعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ﴾ الآية، فقال: هذا قد نُسخ، نَسَخه القتال، أُمروا أن يَرجعوا إليهم بالسيوف، ويُجاهدوهم بها، يضربونهم، وضَرب الله لهم أجل أربعة أشهر؛ إمّا المُذابحة، وإمّا الإسلام١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٥٧٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في الذين عُنُوا بهذه الآية، واختُلِف أيضًا في نسخها، على أقوال لخَّصَها ابنُ عطية (٨/٢٨٢ بتصرف)، فقال: «اختلف الناس في هؤلاء الذين لم يُنْهَ عنهم أن يُبَرُّوا مَن هم؟ فقال مجاهد: هم المؤمنون من أهل مكة الذين آمنوا ولم يُهاجروا، وكانوا لذلك في رتبة سُوء لترْكهم فرض الهجرة. وقال آخرون: أراد المؤمنين التاركين للهجرة كانوا من أهل مكة ومن غيرها. وقال الحسن، وأبو صالح: أراد خُزاعة، وبني الحارث بن كعب، وقبائل من العرب كفار، إلا أنهم كانوا مُظاهرين للنبي ﷺ مُحبّين فيه وفي ظهوره، ومنهم كنانة، وبنو الحارث بن عبد مناة، ومُزينة. وقال قوم: أراد مِن كفار قريش مَن لم يُقاتل، ولا أخرج، ولا أظهر سوءًا. وعلى هذين القولين فالآية منسوخة بالقتال. وقال عبد الله بن الزبير: أراد النساء، والصبيان مِن الكفرة. وقال: إن الآية نَزَلَتْ بسبب أُمّ أسماء حين استأذنت النبي ﷺ في بِرّها وصِلتها فأذِن لها. وقال أبو جعفر بن النحاس، والثعلبي: أراد المستضعفين مِن المؤمنين الذين لم يستطيعوا الهجرة. وهذا قول ضعيف. وقال مُرَّة الهمداني، وعطية العَوفيّ: نَزَلَتْ في قوم من بني هاشم، منهم العبّاس رضي الله عنه. وقال قتادة: نسخَتْها: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:٥]». وذَهَبَ ابنُ جرير (٢٢/٥٧٤) إلى العموم في الآية، وانتقد القول بالنسخ فيها -استنادًا إلى عموم لفظ الآية، وأقوال السلف-، فقال: «أولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عُني بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين مِن جميع أصناف الملل والأديان أن تبرُّوهم وتَصِلوهم، وتُقْسِطوا إليهم. إنّ الله عز وجل عمَّ بقوله: ﴿الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم﴾ جميع مَن كان ذلك صفته، فلم يَخْصُص به بعضًا دون بعض». ثم قال: «ولا معنى لقول مَن قال: ذلك منسوخ. لأنّ برَّ المؤمنِ مِن أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غيرُ محرَّم، ولا مَنهي عنه، إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورةٍ لأهل الإسلام، أو تقويةٌ لهم بكُراعٍ أو سلاح. وقد بيَّن صحةَ ما قلنا في ذلك الخبرُ الذي ذكرناه عن ابن الزبير في قصة أسماء وأُمّها».
٤
عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال الله عز وجل: ﴿فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، ولا تتخذوا منهم وليًا ولا نصيرًا، إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ الآية [النساء:٨٩-٩٠]، وقال: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم﴾ الآية، ثم نَسخ هؤلاء الآيات، فأنزل الله: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ إلى قوله: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:١-٥]، وأنزل: ﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ [التوبة:٣٦]، قال: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ [الأنفال:٦١]، ثم نَسخ ذلك هذه الآية: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرم الله ورسوله﴾ [التوبة:٢٩]١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو إسحاق الفزاري في سيره ص٢٨٩.
٥
عن عكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري -من طريق يزيد- قالا: قال: ﴿فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا * إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ إلى قوله: ﴿وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا﴾ [النساء: ٨٩ - ٩١]، وقال في الممتحنة: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾، وقال فيها: ﴿إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم﴾ إلى: ﴿فأولئك هم الظالمون﴾، فنسخ هؤلاء الآيات الأربعة في شأن المشركين، فقال: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين﴾ [التوبة: ١ - ٢]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧/ ٢٩٨.
٦
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر-: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ نَسَختْها: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥]١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٨٧، وابن جرير ٢٢‏/‏٥٧٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي داود.

نزول الآية

٦ أقوال
١
قال عبد الله بن عباس: ﴿أنْ تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ نَزَلَتْ في خُزاعة، كانوا قد صالَحوا النبيَّ ﷺ على أن لا يُقاتلوه ولا يُعِينوا عليه أحدًا، فرخّص الله في بِرِّهم١
التخريج
  1. ١أورده الثعلبي ٩‏/‏٢٩٤، والبغوي في تفسيره ٨‏/‏٩٥ واللفظ له.
٢
عن أسماء بنت أبي بكر -من طريق عُروة- قالتْ: أتتْني أُمّي راغبة، وهي مُشركة في عهْد قريش إذ عاهدوا رسول الله ﷺ، فسألتُ رسول الله ﷺ: أأصِلُها؟ فأنزل الله: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾. فقال: «نعم، صِلي أُمّكِ»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏١٦٤ (٢٦٢٠)، ٤‏/‏١٠٣ (٣١٨٣)، ٨‏/‏٤ (٥٩٧٨، ٥٩٧٩)، ومسلم ٢‏/‏٦٩٦ (١٠٠٣) كلاهما بنحوه.
٣
عن عبد الله بن الزّبير -من طريق عامر- قال: قَدمتْ قُتَيْلة ابنة عبد العُزّى على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا؛ ضِباب، وأَقِطٍ، وسمْن، وهي مُشركة، فأبتْ أسماءُ أن تَقبل هدّيتها، أو تُدخلها بيتها، حتى أرسلتْ إلى عائشة: أن سَلِي عن هذا رسول الله ﷺ. فسأَلتْه؛ فأنزل الله: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ إلى آخر الآية. فأمَرها أن تَقبل هديّتها، وتُدخلها بيتها١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٦‏/‏٣٧ (١٦١١١)، وابن جرير ٢٢‏/‏٥٧٢-٥٧٣، من طريق مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه به. وأخرجه الحاكم ٢‏/‏٥٢٧ (٣٨٠٤)، من طريق مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جدّه به. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». ووافقه الذهبي في التلخيص. وقال الهيثمي في المجمع ٤‏/‏١٥٢ (٦٧٥٠): «فيه مصعب بن ثابت؛ ضعّفه أحمد وغيره، ووثّقه ابن حبان». وقال في ٧‏/‏١٢٣ (١١٤١١): «فيه مصعب بن ثابت، وثّقه ابن حبان، وضعّفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح».
٤
قال مُرّة الهَمداني، وعطية بن سعد العَوفيّ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ نَزَلَتْ في قوم مِن بني هاشم، منهم العبّاس بن عبد المطلب١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٩/ ٢٩٤.
٥
قال الحسن البصري: وكان هذا قبل أن يُؤمَر بقتال المشركين كافّة، كان المسلمون قبل أن يؤمر بقتالهم استشاروا النبيَّ في قرابتهم مِن المشركين أن يصِلوهم ويبرّوهم؛ فأنزل الله هذه الآية: ﴿وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤‏/‏٣٧٨-.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ﴾ نَزَلَتْ في خُزاعة؛ منهم هلال بن عُويمر، وبني خُزيمة، وبني مُدْلِج؛ منهم سُراقة بن مالك، وعبد يزيد بن عبد مَناة، والحارث بن عبد مَناة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٣٠٢.

تفسير الآية

قولانِ
١
عن مجاهد بن جبر -من طريق بن أبي نجيح- في قوله: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾، قال: أن تَستغفروا لهم، وتَبرّوهم، وتُقسطوا إليهم، هم الذين آمنوا بمكة ولم يُهاجِروا١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٦٥٥، وأخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٥٧٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ثم رخّص في صِلة الذين لم يُناصبوا الحرب للمسلمين، ولم يُظاهروا عليهم المشركين، فذلك قوله: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ﴾ عن صِلة الذين لم يُقاتلوكم في الدّين ولم يخرجوكم من مكة من دياركم ﴿أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ يقول: أن تَصِلوهم، ﴿وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ بالعدل، يعني: تُوفوا إليهم بعهْدهم، ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ الذين يَعدلون بين الناس...١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٣٠٢.
التفسير بالمأثور لسورة الممتحنة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٨ من سورة الممتحنة

٧ وقفات في هذه الآية

  • من كفَّ أذاه من الكفار، فإن المسلمين يقابلونه بالإحسان والعدل ولا يحبونه بقلوبهم؛ لأنَّ الله قال: (أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ)، ولم يقل: توالونهم وتحبونهم، بل قال الله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ) (المجادلة:٢٢)، فالصلة الدنيوية شيء، والمودة شيء آخر.

    — صالح الفوزان

  • { إن الله يحب المقسطين } . كلُّ قضيةٍ تَعدلُ فيها برأيك أو قلمك أو صوتك. اِستشعرْ أنّ اللهَ بعدها سيُحبُّك...

    — عبدالمحسن المطيري

  • "إن الله يحب المقسطين" كلمة عدل قد تفقدك بعض محبيك لكن: الله من أجلها قد أحبك.

    — عبدالله بلقاسم

  • ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم ) العاقل لا يُبغِض و لا يَهجُر إلا لأمر يستحق ذلك .

    — ماجد الغامدي

  • "ولم يخرجوكم من دياركم" فيه إشارة إلى عظم تعلق القلوب بالوطن والديار.. وأن الخروج منها بذله من أعظم البلاء

    — مجالس التدبر

  • الإحسان إلى الكفار غير المحاربين سببٌ في انشراح صدورهم للإسلام، يشهد بهذا التاريخ و الواقع، ألا فلنستعين بذلك على دعوتهم.

    — مصحف تدبر المفصل

  • شتان بين شريعة سَمحة تتطلع إلى هداية الضالين و تترقب استقامتَهم، وبين منهج الغلاة القائم على التسرع في تفكير الخلق و التهاون في دمائهم!.

    — مصحف تدبر المفصل

فتاوى متعلقة بالآية ٨ من سورة الممتحنة

فتوَيانِ تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٨ من سورة الممتحنة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(8) Allāh does not forbid you from those who do not fight you because of religion and do not expel you from your homes - from being righteous toward them and acting justly toward them. Indeed, Allāh loves those who act justly.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال