التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - للمؤمنين القاعدة التى يسيرون عليها فى مودتهم وعداوتهم وصلتهم ومقاطعتهم. فقال - تعالى - :﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الذين لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وتقسطوا إِلَيْهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين﴾.
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية والتى بعدها روايات منها، ما أخرجه البخارى وغيره " عن أسماء بنت أبى بكر الصديق قالت : أتتنى أمى راغبة - أى : فى عطائى - وهى مشركة فى عهد قريش... فسألت رسول الله - ﷺ - أأصلها ؟ فأنزل الله - تعالى - :﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ الله﴾.
فقال رسول الله - ﷺ - : " نعم صلي أمك " ".
وروى الإمام أحمد وجماعة عن عبد الله بن الزبير قال : قدمت قتيلة بنت عبد العزى - وهى مشركة - على ابنتها اسماء بنت أبى بكر بهدايا، فأبت أسماء أن تقبل هديتها، أو تدخلها بيتها، حتى أرسلت إلى عائشة، لكى تسأل رسول الله - ﷺ - عن هذا، فسألته، فأنزل الله - تعالى - :﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الذين لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدين﴾.
وقال الحسن وأبو صالح : نزلت هذه الآية فى قبائل من العرب كانوا قد صالحوا النبى - ﷺ - على أن لا يقاتلوه، ولا يعينوا عليه.
وقال مجاهد : نزلت فى قوم بمكة آمنوا ولم يهاجروا، فكان المهاجرون والأنصار يتحرجون من برهم، لتركهم فرض الهجرة.
قال الآلوسى - بعد أن ذكر هذه الروايات وغيرهما - :{ والأكثرون على أنها فى كفرة اتصفوا بما فى حيز الصلة...
والذى تطمئن إليه النفس أن هاتين الآيتين، ترسمان للمسلمين المنهج الذى يجب أن يسيروا عليه مع غيرهم، وهو أن من لم يقاتلنا من الكفار، ولم يعمل أو يساعد على إلحاق الأذى والضرر بنا، فلا يأس من بره وصلته.
ومن قاتلنا، وحاول إيذاءنا منهم. فعلينا أن نقطع صلتنا به، وأن نتخذ كافة الوسائل لردعه وتأديبه، حتى لا يتجاوز حدودمه معنا.
والمعنى :﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ الله﴾ تعالى - أيها المؤمنون - ﴿عَنِ﴾ مودة وصلى الكافرين ﴿الذين لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ﴾ أي : لم يقاتلوكم من أجل أنكم مسلمون، ولم يحاولوا إلحاق أى أذى بكم، كالعمل على إخراجكم من دياركم.
لا ينهاكم الله - تعالى - عن ﴿أَن تَبَرُّوهُمْ﴾ أي : عن أن تحسنوا معاملتهم وتكرموهم. وعن أن ﴿تقسطوا إِلَيْهِمْ﴾ أى تقضوا إليهم بالعدل، وتعاملوهم بمثل معاملتهم لكم، ولا تجوروا عليهم فى حكم من الأحكام.
﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين﴾ أي العادلين فى أقوالهم وأفعالهم وأحكامهم، الذين ينصفون الناس، ويعطونهم العدل من أنفسهم، ويحسنون إلى من أحسن إليهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى