روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
وكأنه لما نهى المنافقون عن الانفاق على من عند رسول الله ﷺ وأريد الحث على الانفاق جعل قوله تعالى :﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ الخ تمهيداً وتوطئة للأمر بالانفاق لكن على وجه العموم في قوله سبحانه :﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رزقناكم﴾ أي بعض ما أعطيناكم وتفضلنا به عليكم من الأموال ادخاراً للآخرة ﴿مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الموت﴾ أي أماراته ومقدماته فالكلام على تقدير مضاف ولذا فرع على ذلك قوله تعالى :﴿رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى﴾ أي أمهلتني ﴿إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي أمد قصير ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ أي فأتصدق، وبذلك قرأ أبي. وعبد الله. وابن جبير، ونصب الفعل في جواب التمني والجزم في قوله سبحانه :﴿وَأَكُن مّنَ الصالحين﴾ بالعطف على موضع ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ كأنه قيل : إن أخرتني أصدّق وأكن، وإلى هذا ذهب أبو علي الفارسي. والزجاج، وحكى سيبويه عن الخليل أنه على توهم الشرط الذي يدل عليه التمني لأن الشرط غير ظاهر ولا يقدر حتى يعتبر العطف على الموضع كما في قوله تعالى :﴿مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] ويذرهم فيمن قرأ بالجزم وهو حسن بيد أن التعبير بالتوهم هنا ينشأ منه توهم قبيح، والفرق بين العطف على الموضع والعطف على التوهم أن العامل في العطف على الموضع موجود وأثره مفقود، والعامل في العطف على التوهم مفقود وأثره موجود، واستظهر أن الخلاف لفظي فمراد أبي علي. والزجاج العطف على الموضع المتوهم أي المقدر إذ لا موضع هنا في التحقيق لكنهما فرا من قبح التعبير.
وقرأ الحسن. وابن جبير. وأبو رجاء. وابن أبي إسحق. ومالك بن دينار. والأعمش. وابن محيصن. وعبد الله بن الحسن العنبري. وأبو عمرو ﴿وأكون﴾ بالنصب وهو ظاهر، وقرأ عبيد بن عمير ﴿وأكون﴾ بالرفع على الاستئناف، والنحويون. وأهل المعاني قدروا المبتدأ في أمثال ذلك من أفعال المستأنفة، فيقال هنا : أي وأنا أكون ولا تراهم يهملون ذلك، ووجه بأن ذلك لأن الفعل لا يصلح للاستئناف مع الواو الاستئنافية كما هنا ولا بدونها، وتعقب بأنه لم يذهب إلى عدم صلاحيته لذلك أحد من النحاة وكأنه لهذا صرح العلامة التفتازاني بأن التزام التقدير مما لم يظهر له وجهه، وقيل : وجهه أن الاستئناف بالاسمية أظهر وهو كما ترى، وجوز كون الفعل على هذه القراءة مرفوعاً بالعطف على أصدّق على نحو القولين السابقين في الجزم، هذا وعن الضحاك أنه قال في قوله تعالى :﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم﴾ يعني الزكاة والنفقة في الحج، وعليه قول ابن عباس فيما أخرج عنه ابن المنذر :﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ أزكى ﴿وَأَكُن مّنَ الصالحين﴾ أحج، وأخرج الترمذي. وابن جرير. والطبراني. وغيرهم عنه أيضاً أنه قال : قال رسول الله ﷺ :«من كان له مال يبلغه حج بيت ربه أو تجب عليه فيه الزجاة فلم يفعل سأل الرجعة عند الموت » فقال له رجل : يا ابن عباس اتق الله تعالى فإنما يسأل الرجعة الكفار فقال : سأتلو عليكم بذلك قرآناً ﴿يَعْلَمُونَ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أموالكم وَلاَ أولادكم عَن ذِكْرِ الله﴾ [المنافقون: ٩] إلى آخر السورة كذا في «الدر المنثور ».
وفي «أحكام القرآن » رواية الترمذي عنه ذلك موقوفاً عليه، وحكى عنه في البحر. وغيره أنه قال : إن الآية نزلت في مانع الزكاة، ووالله لو رأى خيراً لما سأل الرجعة، فقيل له : أما تتقي الله تعالى يسأل المؤمنون الكرة ؟ا فأجاب بنحو ما ذكر، ولا يخفي أن الاعتراض عليه وكذا الجواب أوفق بكونه نفسه ادّعى سؤال الرجعة ولم يرفع الحديث بذلك، وإذا كان قوله تعالى :﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِى﴾ الخ سؤالاً للرجعة بمعنى الرجوع إلى الدنيا بعد الموت لم يحتج قوله تعالى :﴿مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الموت﴾ إلى تقدير مضاف كما سمعت آنفاً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى