اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
ثم أتبعه بتهويل ثالث، وهو قوله :«ويْلٌ » مبتدأ، سوغ بالابتداء به كونه دعاء.
قال الزمخشري :«فإن قلت : كيف وقعت النكرة مبتدأ في قوله تعالى ﴿وَيْلٌ﴾ ؟ قلت : هو في أصله مصدر منصوب سادّ مسدَّ فعله، ولكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على إثبات معنى الهلاك، ودوامه للمدعو عليهم، ونحوه ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٤]، ويجوز «قِيلاً » بالنصب، ولكنه لم يقرأ به ».
قال شهاب الدين(١) :«هذا الذي ذكره ليس من المسوّغات التي عدها النحويون وإنما المسوغ كونه دعاء وفائدة العدول إلى الرفع ما ذكره ».
و «يَوْمئذٍ » ظرف للويل.
وجوز أبو البقاء : أن يكون صفة للويلِ، وللمكذبين خبره.

فصل في تفسير الآية


قال القرطبي(٢) :﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي : عذاب وخِزْي لمن كذب بالله تعالى وبرسله، وعلى تقدير تكذيبهم ؛ فإنَّ لكل مكذب بشيء سوى تكذيبه بشيء آخر، وربّ شيء كذب به وهو أعظم جرماً من تكذيبه بغيره ؛ لأنه أقبح في تكذيبه، وأعظم في الرد على الله تعالى، فإنما يقسم له من الويل على قدر ذلك، وهو قوله :﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾ [النبأ: ٢٦].
وقيل : كرره لمعنى تكرار التخويف والوعيد.
وروي عن النعمان بن بشير قال :«ويْلٌ » واد في جهنم فيه ألوان العذاب، قاله ابن عباس وغيره(٣).
وروي عن النبي ﷺ أنه قال :«عُرِضتْ عليَّ جَهنَّمُ فَلمْ أرَ فيهَا وَادِياً أعْظمَ منَ الوَيْلِ »(٤).
وروي أيضاً أنه مجمع ما يسيل من قيحِ أهل النار وصديدهم، وإنما يسيل الشيء فيما سفل من الأرض، وقد علم العباد في الدنيا أن شرّ المواضع في الدنيا ما استنقع فيها مياه الأدناس والأقذار والغسلات من الجيف وماء الحمَّامات، فذكر أن ذلك الوادي مستنقع صديد أهل النَّار والشرك ليعلم العاقل أنه لا شيء أقذرُ منه قذارةً، ولا أنتنُ منه نتناً.
١ ينظر: الدر المصون ٦/٤٥٥..
٢ الجامع لأحكام القرآن ١٩/٢٠٣..
٣ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٩/١٠٣)..
٤ ينظر المصدر السابق..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى