البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
﴿وإِذا قيل لهم اركعوا﴾ أي : أطيعوا الله واخشعوا وتواضعوا للّه، بقبول وحيه واتباع رسوله، وارفضوا هذا الاستكبار والنخوة، ﴿لا يركعون﴾ ؛ لا يخشعون ولا يقبلون ذلك، ويُصرون على ما هم عليه من الاستكبار. وقيل : وإذا أُمروا بالصلاة لا يفعلون، إذ رُوي أنها نزلت حين أمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثقيفاً بالصلاة، فقالوا : لا ننحني، فإنها خسّة علينا، فقال صلى الله عليه وسلم :" لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود " (١). وقيل : هو يوم القيامة، حين يُدْعَوْن إلى السجود فلا يستطيعون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إنَّ المتقين ما سوى الله في ظلال التقريب، وبرد التسليم، ونسيم الوصال، فما أطيب نسيمهم، وما ألذ مشربهم، كما قال الشاعر :
يا نسيمَ القُرب ما أطيبكاذاق طعم الأُنس مَن حَلَّ بكا
أيُّ عيشٍ لأناس قُرِّبواقد سُقوا بالقدس من مشربكا
﴿وعيون﴾ أي : مناهل الشرب من رحيق الوجدان، وفواكه النظر، مما يشتهون، أي : وقت يشتهون، كُلوا من رزق أرواحكم وأسراركم، وهو الترقي في معاريج العرفان، وأشربوا من رحيق أذواقكم، هنيئاً بما كنتم تعملون أيام مجاهدتكم، إنَّا كذلك نجزي المحسنين المتقين علومَهم وأعمالَهم. ويل يومئذ للمكذِّبين بطريق هذا المقام الرفيع، يُقال لهم : كُلوا وتمتّعوا وانهمكوا في الشهوات أياماً قلائل، إنكم مجرمون، وسيندم المفرّط إذا حان وقت الحصاد. وإذا قيل لهم : اخضعوا لمَن يُربيكم ويُرقيكم إلى تلك المراتب العلية المتقدمة للمتقين، لا يخضعون، فالويل لهم على تكذيبهم، فبأي حديث وأيّ طريق بعد هذا يؤمنون، وأيّ طريق يسلكون، وبأيّ كتاب يهتدون ؟ إن حادوا عن طريق السلوك على أيدي الرجال، فماذا بعد الحق إلاّ الضلال. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلّم.


١ أخرجه أبو داود في الخراج حديث ٣٠٢٦، وأحمد في المسند٤/٢١٨، والطبراني في المعجم الكبير٩/٤٥، والبيهقي في السنن الكبرى٢/٤٤٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى