الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
والضمير في ﴿كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ﴾ ضمير منصور راجع إلى الناس. وفيه وجهان : أن يراد كالوا لهم أو وزنوا لهم ؛ فحذف الجار وأوصل الفعل، كما قال :
وَلَقَدْ جَنَيْتُكَ أَكْمُؤاً وَعَسَاقِلاًوَلَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ نَبَاتِ الأوْبَرِ
والحريص يصيدك إلا الجواد، بمعنى : جنيت لك، ويصيد لك، وأن يكون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والمضاف هو المكيل أو الموزون، ولا يصح أن يكون ضميراً مرفوعاً للمطففين، لأنّ الكلام يخرج به إلى نظم فاسد ؛ وذلك أنّ المعنى : إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا أعطوهم أخسروا ؛ وإن جعلت الضمير للمطففين انقلب إلى قولك : إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا، وهو كلام متنافر لأنّ الحديث واقع في الفعل لا في المباشر، والتعلق في إبطاله بخط المصحف، وأنّ الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه : ركيك ؛ لأنّ خط المصحف لم يراع في كثير منه حدّ المصطلح عليه في علم الخط، على أني رأيت في الكتب المخطوطة بأيدي الأئمة المتقنين هذه الألف مرفوضة لكونها غير ثابتة في اللفظ والمعنى جميعاً ؛ لأن الواو وحدها معطية معنى الجمع، وإنما كتبت هذه الألف تفرقة بين واو الجمع وغيرها في نحو قولك : هم لم يدعوا، وهو يدعو ؛ فمن لم يثبتها قال : المعنى كاف في التفرقة بينهما. وعن عيسى بن عمر وحمزة : أنهما كانا يرتكبان ذلك، أي يجعلان الضميرين للمطففين، ويقفان عند الواوين وقيفة يبينان بها ما أرادا
فإن قلت : هلا قيل : أو اتزنوا، كما قيل ﴿أَوْ وَّزَنُوهُمْ﴾ ؟ قلت : كأن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل دون الموازين لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرقة، لأنهم يدعدعون ويحتالون في الملء، وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا لتمكنهم من البخس في النوعين جميعاً ﴿يُخْسِرُونَ﴾ ينقصون يقال : خسر الميزان وأخسره.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى