تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ١٠ : وقوله تعالى :﴿واصبر على ما يقولون﴾ قال أهل التفسير : اصبر على تكذيبهم إياك.
ألا ترى إلى قوله في سياق الآية :﴿وذرني والمكذبين أولي النعمة﴾ ؟ [المزمل: ١١] فثبت أنه دعا إلى الصبر على التكذيب.
وجائز أن يكون منصرفا إلى هذا وإلى غيره، لأنهم كانوا لا يقتصرون على الكذب، بل كانوا ينسبونه إلى الكذب[ أولا ](١) وإلى السحر ثانيا وإلى الجنون ثالثا وإلى أنه يتيم رابعا، فكانوا يؤذونه بأنواع الأذى.
فجائز أن يكون قوله :﴿واصبر على ما يقولون﴾ منصرفا إلى كل ذلك.
ثم الأمر بالصبر يقع بخصال ثلاث :
إحداها(٢) : ألاّ تجازهم على تكذيبهم إياك بتكذيبك إياهم.
[ والثانية : ألاّ تجزع عليهم ](٣) وفي الجزع بعض التسلي والتشفي.
[ والثالثة : ألاّ ](٤) تدعو عليهم بالهلاك والتّبار، بل اصبر[ على ](٥) ذلك.
ولقائل أن يقول : كيف كان يشتد عليه(٦) تكذيبهم إياه حتى كاد يتحزن لذلك. والذين(٧) نسبوه إلى الكذب كانوا من أعدائه، وليس يستثقل الكذب من العدو، لا يستكثر منه، لأنه بما يعاديه، يعتقد أنه يسئ إليه بجميع ما يمكنه وسعه، وإنما يستثقل الكذب من أهل الصفوة والمودة، فكيف استثقله ؟ وكيف بلغ به التكذيب مبلغا يحزن به حتى يدعى إلى الصبر بقوله :﴿قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون﴾ الآية [الأنعام: ٣٣] وبقوله :﴿واصبر على ما يقولون﴾ ؟ والجواب عن هذا أن الكذب والجهل مما يستثقلهما العقل والطبع جميعا، وكذلك التكذيب أو التجهيل أمر ثقيل على الطبع والعقل جميعا، حتى إن الكذاب إذا نسب إلى الكذب، اشتد عليه ذلك، ولم يتحمّله(٨)، وكذلك الجهول، إذا عرف بالجهل، ثقل ذلك عليه.
فإذا كان التكذيب مستثقلا(٩) في عقول الخلق وطبائعهم مشوبة بالآفات، وفي عقولهم نقص، فرسول الله ﷺ مع صفاء عقله وسلامة طبعه من الآفات أحق أن يثقل عليه، ويحزن لذلك.
ثم ما من إنسان، ينسب إلى الكذب في ما يحدث عن نفسه أو عمّن سواه من الخلائق ممن علت رتبتهم، أو انحطت، إلا وهو يجد لذلك ثقلا، فكيف إذا أخبر عن الله تعالى، وكذب فيه، أليس هذا أحق أن يثقل على القلب، ويتحزن له ؟.
ويجوز أن يكون حمله على الحزن شدة إشفاقه على المكذبين لأن تكذيبهم يقضي بهم إلى العطب والهلاك، فأشفق عليهم باشتغالهم بما به هلاكهم، وحزن لذلك، أو يكون حزنه غضبا لله تعالى، إذ الرسل كانوا يغضبون لله تعالى، ويشتدون على أعدائه.
والجواب عن قوله(١٠) : إن المكذبين كانوا من أعدائه، فكيف اشتد عليه تكذيبهم، وذلك أمر غير مستبعد(١١) من الأعداء ؟ فنقول : إن رسول الله ﷺ كان يعاملهم معاملة الوليّ مع وليّه الصفيّ، ولم يكن يعاملهم بما يعامل به الأعداء لأنه كان يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم وشرفهم في أمر دنياهم وآخرتهم. ومن عامل آخر معاملة أقرب الأصفياء معه كان الحق عليهم أن يجاوزه بالإحسان. فإذا تركوا ذلك، وقابلوه بالتكذيب، اشتد عليه، وحزن لذلك.
ثم في قوله :﴿واصبر على ما يقولون﴾ وفي قوله :﴿ولا تستعجل لهم﴾[الأحقاف: ٣٥] إبطال قول من قال : إن الله تعالى لا يفعل بعبد إلا ما هو أصلح له، لأنا نعلم أنه إذا أذن لنبي من الأنبياء بالدعاء على استعجال الهلاك، واستجيب في ما دعا، كان فيه ما يحمل القوم على الإيمان، ويردعهم عن التكذيب، لأنهم يخافون حلول النقمة عليهم، فيتركون التكذيب، ويقبلون على الإجابة، فيكون فيه نجاتهم من الهلاك وشرفهم في أمر دنياهم وآخرتهم. فإذا لم يؤذن، دلّ أنه ليس من شرط الله تعالى أن يفعل بعباده ما هو أصلح لهم.
فإن قال(١٢) : كيف لم يؤذن بالدعاء عليهم ليحملهم ذلك على الإسلام، ويمنعهم عن التكذيب ؟.
قيل له : لأن في ما ذكرته رفع المحنة والابتلاء، لأن الحجة إذ ذاك تقع من جهة الضرورة، لأنهم إذا علّمهم أنهم يستأصلون بالتكذيب امتنعوا عنه، وأجابوا إلى الإسلام كرها، فتصير الحجج اضطرارية لا تمييزية واختيارية، وحجج الرسل عليهم السلام اختيارية لا ضرورية لما ذكرنا أنها لو جعلت اضطرارية لارتفعت المحنة، فجعلت حججهم من وجه، تقع بها الشبه ليوصل إلى معرفتها بالفكر(١٣) لئلا ترتفع المحنة.
فإن قال قائل : إن أبا حنيفة، رحمه الله، ذكر في كتابه( العالم والمتعلم ) أن إيمان الملائكة وإيمان الرسل وإيماننا واحد، ثم قال : فإذا استوينا نحن والرسل في الإيمان، فكيف صار الثواب لهم أكمل، وخوفهم من الله تعالى أشد ؟.
فأجاب(١٤)عن هذا السؤال بأجوبة، وقال في جملة ما أجاب : إنهم لو ارتكبوا الزّلات لحل بهم العقاب[ عقيب ](١٥) الزلل، فصار خوفهم بالله تعالى ألزم في هذه الجهة.
ولسائل أن يسأل على هذا، فيقول : فإذن إيمانهم بالله تعالى وتركهم المعاصي ضروري اختياري ؟ فيجاب عنه [ بوجهين :
أحدهما :](١٦) بأن يقال : إن الأنبياء عليهم السلام لم تبين لهم العصمة، بل كانوا على خوف من وقوعهم في المهالك. ألا ترى إلى قول إبراهيم عليه السلام﴿واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام﴾ ؟ [إبراهيم: ٣٥].
ولو كانت العصمة ظاهرة لكان يستغني عن السؤال[ بقوله تعالى ](١٧) في قصة شعيب عليه السلام﴿وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء /٦٠٧ – أ/ الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما﴾[الأعراف: ٨٩].
فثبت أنه لم تبين لهم العصمة. ونحن إنما شهدنا بالعصمة بالوجود، لأن الحكمة توجب العصمة، والرسل عليهم السلام أمروا بتبليغ الرسالة، ولم يؤذن لهم بالنظر في أمر من تقدمهم[ من ](١٨) الرسل لتظهر لهم العصمة بالتدبر والتفكر. فيثبت أنهم كانوا على الخوف والرجاء في فكاك أنفسهم وفي وقوعها في المهالك، وأن إيمانهم بالله تعالى لم يكن ضروريا، بل وصلوا إلى معرفته تعالى بالتمييز. ولذلك عظمت درجاتهم.
والثاني : أن الأنبياء عليهم السلام قد كان تقرر في قلوبهم هيبة الله تعالى وعظمته، فكانت المعرفة هي التي دعتهم إلى الإيمان به، لا خوف حلول العقوبة بهم لو ارتكبوا الزّلات.
وأما الكفرة فلم يعرفوا عظمة الله ولا قدرته ولا سلطانه حتى يحملهم ذلك على الإيمان به.
فلو حلت العقوبة بهم بالتكذيب لكان الخوف هو الذي يحملهم على الإيمان لا غير، فيصير إيمانهم ضروريا، فلهذا لم يعاقبوا بالتكذيب لئلا ترتفع المحنة، وخولف بينهم وبين غيرهم. وهذا كما يقول : إن أنباء من(١٩) تقدم من الرسل حجة لرسوله ﷺ في إثبات نبوته، وإن كانت تلك الأنباء قد عرفها أهل الكتاب، وأخبروا بها، لأن أهل الكتاب عرفوا تلك الأنباء بالتعلم والتلقين، ولم يختلف رسول الله ﷺ إلى من عنده علم تلك الأنباء، فعلم أنه بالله تعالى، علم لا بتعليم أحد، فصارت الأنباء حججا لذلك، ولم تصر[ بغيره ](٢٠) حجة، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿واهجرهم هجرا جميلا﴾ فجائز أن يكون تأويله : اهجرهم وقت سبهم ونسبتهم إياك إلى ما لا يليق بك، ولا تعبأ بهم، ولا تكترث إليهم وإلى ما يتقولون عليك لأن بعض ما يزجر المتقول والسابّ عما هو فيه، هو كقوله عز وجل :﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ [الفرقان: ٦٣].
ويحتمل أن يكون تأويله : أن انقطع عنهم انقطاعا جميلا، والانقطاع الجميل ألا يترك شفقته عليهم ولا يدعو عليهم بالهلاك ولا يمتنع عن دعائهم إلى ما فيه رشدهم وصلاحهم، ولذلك قال في وقت أذاهم :( اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ) :[ الزبيدي في الإتحاف ٨/٢٥٨ وبنحوه البيهقي في دلائل النبوة ٣/٢١٥ ].
ويحتمل أن يكون هجره إياهم هجرا جميلا، وهو ألا يكافئهم بالسيئة، بل يدفع السيئة بالحسنة كقوله تعالى :﴿ادفع بالتي هي أحسن السيئة﴾[المؤمنون: ٩٦] إذ ذلك أدعى للخلق إلى إجابة من يفعل ذلك بهم عند المعاملة، والله أعلم.
ثم[ من ](٢١) الناس من يقول بأن هذه الآية نسختها آية السيف، ومنهم من قال بأنها لم تنسخ، وصرفوا تأويل الآية إلى جهة لا يعمل عليها النسخ ؛ وذلك أن في قوله :﴿واهجرهم هجرا جميلا﴾ منع المكافآت لأجل ما آذوه، ولم يفرض عليه(٢٢) القتال ليكافئهم بأذاهم، وينتقم منهم(٢٣) بذلك، بل رجّح قتالهم إلى نصرة الدين ولتكون كلمة الله، هي العليا.
لذلك لم يكن في آية السيف ما يوجب نسخ هذا ولا نسخ العمل بقوله :﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾[البقرة: ١٠٩].
والجواب(٢٤) : أنه ليس في قتالهم انتقام منهم، بل فيه ما يدعو إلى الإيمان بالله تعالى ورسوله.
وإذا آمنوا بذلك نجوا من العقاب، وفازوا بعظيم الثواب، فيصير القتال رحمة لهم لا عقوبة.
ووجه جعله رحمة، هو أنهم إذا رأوا غلبة المسلمين عليهم مع قلة عددهم والضعف الذي حلّ بأبدانهم لاشتغالهم بعبادتهم ربهم وكثرة عدد المشركين مع قوة أبدانهم أيقنوا أنهم لم ينالوا الغلبة بالحيل والأسباب، بل الله تعالى، هو الذي قوّاهم عليهم، وقام بنصرهم ؛ وتقرر عندهم كون أهل الإسلام على الحق.
وإذا أيقنوا بالحق[ التزموه، فيحرزون ](٢٥) به جزيل الثواب وكريم المآب، فصار القتال رحمة لهم، لا أن يكون عليهم عقوبة لسوء صنيعهم.
وإذا كان كذلك بقي العمل بقوله عز وجل :﴿واهجرهم هجرا جميلا﴾ ثابتا باقيا.
وبهذا يجاب من سأل، فقال : إن الله تعالى يقول لنبيه عليه السلام :﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾[الأنبياء: ١٠٧] وفي القتال ترك الرحمة، فكيف يفرضه(٢٦) عليه ؟ فيقال : إن ليس في القتال ترك الرحمة، بل هو من أبلغ الرحمة وتمامها، إذ يحملهم على الإيمان وترك التكذيب، وتعلو منزلتهم، ويشرف قدرهم في الدنيا والآخرة، والله أعلم.
وجواب آخر أن يقال : إن الحجة في القتال ليست في القتل، لأنهم إذا خافوا القتال تركوا التكذيب، وأقبلوا على الداعي. ألا ترى أنه ذكر أن القوم قبل أن يفرض عليهم القتال كان يدخل الواحد منهم بعد الواحد في هذا الدين. فلمّا شرع القتال جعلوا يدخلون فيه فوجا فوجا وقبيلة قبيلة ؟.
ثم إباحة القتل تكون بالضرورة لأنهم إذا علموا[ أنهم ](٢٧) لا يقتلون لم يقع لهم الخوف بالقتال، وإذا لم يخافوا تركوا الإجابة، فشرع القتل(٢٨) لتحقيق الخوف، فلم يكن[ فيه ](٢٩) ترك الرحمة، وهو كقوله :﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾[البقرة: ١٧٩].
وفي إقامة القصاص تلف النفس، ليس فيه إحياء، ولكن وجه(٣٠) الإحياء فيه، هو أن القاتل(٣١) إذا فكر[ أنه ](٣٢) قتل نفسه بقتل صاحبه ردعه ذلك عن القتل، فيكون فيه إحياء النفس جميعا، فيصير إيجاب القصاص سببا للإحياء في الحقيقة، وإن كان في الظاهر سببا للإتلاف.
فكذلك هؤلاء إذا أيقنوا بالقتل بامتناعهم عن الإجابة تركوا الامتناع، وأقبلوا على الإجابة، فيكون موضوع القتل للرحمة في التحقيق، وإن كان في الظاهر خارجا مخرج ترك الرحمة، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: أحدهما..
٣ في الأصل و م: ولا تجزع عليه..
٤ في الأصل و م: أولا..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ في الأصل و م: عليهم..
٧ في الأصل و م: والذي..
٨ في الأصل و م: يتحاصل..
٩ في الأصل و م: مستحقا..
١٠ الضمير عائد على ما سبق: ولقائل أن يقول..
١١ في الأصل و م: مستبدع..
١٢ في الأصل و م: قيل..
١٣ من و، في الأصل: بالكفر..
١٤ لعل المجيب أبو حنيفة أو أبو منصور المؤلف..
١٥ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
١٦ ساقطة من الأصل و م..
١٧ في الأصل و م: وقال..
١٨ ساقطة من الأصل و م..
١٩ في الأصل و م: ما..
٢٠ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٢١ في الأصل و م: عليهم..
٢٢ في الأصل و م: عليهم..
٢٣ من م، في الأصل منه..
٢٤ في الأصل و م: وجوابه..
٢٥ في الأصل و م: التزموا فيحرزوا..
٢٦ في الأصل و م: يفرض..
٢٧ ساقطة من الأصل و م..
٢٨ أدرج بعدها في الأصل و م: فيه..
٢٩ ساقطة من الأصل و م..
٣٠ في الأصل و م: وجد..
٣١ من م، في الأصل: القتل..
٣٢ ساقطة من الأصل و م..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى