كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ الَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ ؛ معناهُ : إنَّ ربَّكَ يا مُحَمَّدُ يعلمُ إنَّكَ تقومُ أقَلَّ من ثُلُثَي الليلِ في بعضِ اللَّيالي، وأقلَّ من نصفِ اللَّيلِ في بعضِ اللَّيالي، وأقلَّ من الثُّلث في بعضِها. قَوْلُهُ تَعَالى :﴿وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ ؛ يعني : الْمُؤمِنون كانوا يقُومون معَهُ.
قرأ الكوفيُّون وابنُ كثير (وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ) بالنصب فيهما على معنى : ويقومُ نصفَهُ وثُلثَهُ. وقال الحسنَ :((لَمْ يَقُمِ النَّبِيُّ ﷺ قَطُّ أقَلَّ مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ، وَإنَّمَا قَالَ :(أدْنَى) فِي الطَّائِفَةِ الَّذِينَ مَعَهُ)) ولفظهُ (أدْنَى) تُعقَلُ منها القلَّة، لا يقالُ : عندِي دونَ العشرةِ إلاَّ والنُّقصان منها قليلٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ؛ أي يعلَمُ مقاديرَهما وساعاتِهما على الحقيقةِ، ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ ؛ أي عَلِمَ أنَّكم لم تعلَمُوا حقيقةَ قدرهما، يعني أنَّكم ما تعرِفُون مقاديرَ اللَّيل والنهار، ولذا لم تعلَمُوا حقيقةَ المقدار الذي أمَرَكم بالقيامِ فيه لم تُطِيقوهُ إلاَّ بمشقَّة، ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ أي فتجاوزَ عنكم قيامَ الليلِ بالتخفيفِ عنكم، ﴿فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ؛ أي صلاةِ اللَّيل.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَى﴾ ؛ لا يقدِرون على قيامِ اللَّيل بقراءةِ السُّوَر الطِّوالِ، ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ ؛ أي وآخَرُون يُسافِرُونَ لطلب رزقِ الله فلا يُطيقون ذلكَ، ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؛ أي وعَلِمَ أنَّ فيكم مَن يجاهدُ في سبيلِ اللهِ، يعني يقاتلُ أعداءَ اللهِ لا يُطيقون قيامَ الليلِ، ﴿فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ؛ أي مِن القُرآن في الصَّلاة.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ﴾ ؛ أي وأقِيمُوا الصَّلوات الخمسِ بشَرائطِها وما يجبُ من حقِّ الله فيها، فنُسِخَ قيامُ الليلِ بالصَّلوات الخمسِ على المؤمنين، وثَبَتَ على النبيِّ ﷺ خاصَّة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ ؛ يعني المفروضةَ، ﴿وَأَقْرِضُواُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ ؛ من الصَّدقة سِوَى الزكاةِ من صِلَةِ الرَّحم، وقِرَى الضيفِ، وصدقةِ التطوُّع.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾ ؛ أي ما تفعَلُوا من صدقةٍ فريضة أو تطوُّع أو عملٍ صالح تجدُوا ثوابَهُ عند اللهِ، ﴿هُوَ خَيْراً﴾ ؛ لكم، ﴿وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾ ؛ مِن الذي تُؤخِّرونَهُ إلى الوصيَّة عند الموتِ.
وإنما انتصبَ (خَيْراً) لأنه المفعولُ الثاني، وأدخل (هو) فصل، ويسَمِّيه الكوفيُّون العمادَ، ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ﴾ ؛ لِمَا مضَى من الذُّنوب والتقصيرِ في الطاعة، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ ؛ لِمَن استغفرَ، ﴿رَّحِيمٌ﴾ ؛ لِمَن ماتَ على التوبةِ.
وقد تضمَّنت هذه الآيةُ معانٍ : أحدُها : أنه نَسَخَ بها فريضةَ قيامِ الليل. الثانِي : أنَّها تدلُّ على لُزوم فرضِ القراءةِ في الصَّلاة ؛ لأن القراءةَ لا تلزَمُ في عينِ الصَّلاة. والثالث : دلالةُ جواز الصَّلاة بقليلِ القراءةِ. والرابعُ : أنَّ تركَ قراءةِ الفاتحةِ في الصَّلاة لا تمنعُ جوازَها إذا قرأ فيها غيرَها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى