تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه ) وقرئ :" ونصفه " فمن قرأ بفتح الفاء نصبه على تفسير الأدنى، ومن قرأ بكسر الفاء، أي : أدنى من نصفه.
وقوله :( وثلثه ) معطوف [ على ](١) النصف في القراءتين.
وقوله :( وطائفة من الذين معك ) قد بينا أن النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه قاموا حولا حتى تورمت أقدامهم. وفي التفسير : أنهم كانوا يقومون جميع الليل مخافة أن ينقصوا من المقدار المفروض. واختلف القول في أنه كان القيام مفروضا على النبي صلى الله عليه و سلم وجميع أصحابه أو على النبي وحده ؟ ففي أحد القولين : أنه كان مفروضا عليه وعلى جميع أصحابه. وفي قول آخر : كان مفروضا عليه وحده [ ذكره ](٢) أبو الحسن الماوردي، وذكر أيضا قولين في أنه هل بقي عليه قيام الليل بعد النسخ ؟
فأحد القولين : أن النسخ كان في حق الصحابة، وأما في حقه بقي إلى أن توفاه الله تعالى. والقول الثاني : أنه صار منسوخا في حقه والصحابة جميعا، وإنما بقى التنفل والتطوع به فحسب. وقوله :( والله يقدر الليل والنهار ) أي : لا يفوت عن علمه ساعات الليل والنهار، فيعلم ما يقومون من ذلك وما يتركون.
وقوله :( علم أن لن تحصوه ) أي : لن [ تطيقوه ](٣). والمعنى : أنه يشق عليكم معرفة مقدار المفروض والقيام بالأمر، وذلك لأن الإنسان إذا نام ثم استيقظ لا يدري وكم نام وكم بقي من الليل، وقد كان الله تعالى فرض قيام الليل على مقدار معلوم، وهو لا ينقص من الثلث، ويبلغ الثلثين إن أراد. وقوله :( فتاب عليكم ) أي : نسخة عليكم ورفضه، ومعنى التوبة هو الرفع والعفو هاهنا. وقوله :( فاقرءوا ما تيسر من القرآن ) فيه قولان : أحدهما : صلوا ما تيسر من ( الصلاة )(٤)، وهذا على طريق النافلة والتطوع لا على طريق الفرض. وقال الحسن وقتادة : يجب قيام الليل ولو حلب شاة لهذه الآية. والأصح هو القول الأول ؛ " لأنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم جاءه أعرابي ثائر الرأس يسمع دوي صوته، ولا يفهم ما يقول. . . الخبر إلى أن قال : هل على غيرهن ؟ قال : لا، إلا أن تطوع " (٥). فدل هذا الخبر أن قيام الليل ليس بمفروض، وفيه إجماع. والقول الثاني :[ أن ](٦) قوله :( فاقرءوا ما تيسر من القرآن ) أي : فاقرءوا في الصلاة ما تيسير من القرآن من غير توقيف ولا تقدير. وهذا على قول الشافعي وعامة العلماء فيما وراء الفاتحة. وقد ذكر أبو [ الحسن ](٧) الدارقطني في كتابه بإسناده عن قيس بن أبي حازم أنه قال : صليت خلف ابن عباس فقرأ الفاتحة في الركعة الأولى، وقرأ الآية الأولى من سورة البقرة، ثم قام في الركعة الثانية وقرأ الفاتحة والآية الثانية من سورة البقرة، فلما فرغ قرأ قوله تعالى :( فاقرءوا ما تيسر من القرآن ) يعني : أنه الذي تيسر. قال علي بن عمر وهو الدارقطني : هو دليل على قول من يقول أن ما تيسير هو ما وراء الفاتحة. وقوله :( علم أن سيكون منكم مرضى ) أي :( ذوو )(٨) مرض.
قوله :( وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ) أي : التجار وسائر المسافرين. وقوله :( وآخرون يقاتلون في سبيل الله ) أي : الغزاة. والكل بيان وجوه المشقة في قيام الليل.
وقوله :( فاقرءوا ما تيسر منه ) معناه على ما بينا. وقوله :( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) أي : الصلوات الخمس المفروضة، والزكاة المفروضة. وقيل بأن الزكاة هاهنا : زكاة الرءوس، وهي زكاة الفطر. وقيل :( وأقرضوا الله قرضا حسنا ) قد ذكرنا من قبل. وقيل : هو جميع النوافل ووجوه الصلاة. وقيل : هو قوله : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. ويقال : إنه النفقة على الأهل. وقوله :( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ) أي : ثوابه عند الله يوم القيامة. وقوله :( هو خيرا وأعظم ) نصبه على أنه مفعول ثان من تجدوه. وقيل : هو فصل كلام، ذكره الأزهري. وقوله :( وأعظم أجرا ) معطوف على الأول. وقوله :( واستغفروا ا لله إن الله غفور رحيم ) ظاهر المعنى والله أعلم.
١ - من ((ك)) و في ((الأصل )) : إلى..
٢ - في الاصل، ك : وذكر..
٣ - في ((الأصل، ك)) : تطيقونه، و المثبت هو الثواب..
٤ - في ((ك)) : الصلوات..
٥ - نتفق عليه من حديث طلحة، رواه البخاري ( ١ /١٣٠ -١٣١ رقم ٤٦ و أطرافه ١٨٩١ -٢٦٧٨ -٦٩٥٦) و مسلم ( ١ /٢٣٣ -٢٣٦ رقم ١١)..
٦ - في (( الأصل، ك)) : إلى..
٧ - في ((الاصل، ك)) : الحسين، و هو سبق قلم، و هو أبو الحسن علي بن عمر أحمد البغدادي الدارقطني الامام المشهور صاحب العلل و السنن و غيرهما. تاريخ بغداد ( ١٢ /٣٢ -٤٠ ) و السير ( ١٦ /٤٤٩ – ٤٦١ )..
٨ - في ((ك)) ك ذو..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى