اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل﴾.
العامة : على ضم «اللام » من «ثلثي » وهو الأصل، كالربع والسدس.
وقرأ هشام(١) : بإسكانها تخفيفاً.
قوله :﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾، قرأ الكوفيون(٢) وابن كثير : بنصبهما، والباقون، بجرهما.
وفي الجر إشكال يأتي إن شاء الله تعالى.
فالنصبُ : نسق على «أدْنَى » ؛ لأنه بمعنى وقت أدنى، أي : أقرب، استعير الدنو لقرب المسافة في الزمان، وهذا مطابق لما في أول السورة من التقسيم، وذلك أنه إذا قام أدنى من ثلثي الليل، فقد صدق عليه أنه قام الليل إلا قليلاً، لأن الزمان لم يقم فيه، فيكون الثلث، وشيئاً من الثلثين، فيصدق عليه قوله :«إلاَّ قَلِيلاً ».
وأما قوله :«ونصفهُ » فهو مطابق لقوله :«ولا نِصْفهُ »، وأما قوله :«وثُلثهُ » فإنَّ قوله :﴿أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً﴾ قد ينتهي النقص في القليل إلى أن يكون الوقت ثلثي الليل، وأما قوله :﴿أَو زِدْ عَلَيْهِ﴾ فإنَّه إذا زاد على النصف قليلاً كان الوقت أقل من الثلثين. فيكون قد طابق أدنى من ثلثي الليل، ويكون قوله تعالى :﴿نِّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً﴾ شرطاً لمبهم ما دل عليه قوله :﴿قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً﴾، وعلى قراءة النصب : فسر الحسن «تحصُوهُ » بمعنى تطيقوه، وأما قراءة الجر : فمعناها أنه قيام مختلف مرة أدنى من الثلثين، ومرة أدنى من الثلث وذلك لتعذر معرفة البشر بمقدار الزمان مع عذر النوم، وقد أوضح هذا كله الزمخشري، فقال : وقرئ :«نصفه وثلثه » بالنصب، على أنك تقوم أقل من الثلثين، وتقوم النصف والثلث، وهو مطابق لما مر فيه أول السورة في التخيير بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص وهو الثلث، وبين قيام الزائد عليه وهو الأدنى من الثلثين.
وقرئ بالجر أي تقوم أقل من الثلثين وأقل من النصف والثلث، وهو مطابق للتخيير بين النصف، وهو أدنى من الثلثين، والثلث، وهو أدنى من النصف، والربع وهو أدنى من الثلث، وهو الوجه الأخير، انتهى.
يعني بالوجه الأخير ما قدمه أول السورة من التأويلات. وقال أبو عبد الله الفارسي : وفي قراءة النصب إشكال إلا أن يقدر نصفه تارة، وثلثه تارة، وأقل من النصف، والثلث تارة، فيصح المعنى.

فصل في بيان أن هذه الآية تفسير للقيام في أول السورة


قال القرطبي(٣) : هذه الآية تفسير لقوله تعالى :﴿إِلاَّ قَلِيلاً نِصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً﴾ أو زد عليه - كما تقدم - وهي الناسخة لفريضة قيام الليل كما تقدم، ومعنى قوله تعالى :«تَقُومُ » أي : تصلي، و «أدْنَى »، أي : أقل.
وقرأ ابن السميقع وأبو حيوة وهشام عن أهل الشام :«ثلثي » بإسكان اللام، و «نصفه وثلثه » بالخفض : قراءة العامة - كما تقدم -، عطفاً على «ثلثي » والمعنى : تقوم أدنى من ثلثي الليل، ومن نصفه، وثلثه، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، لقوله تعالى :﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ فكيف تقيمون نصفه أو ثلثيه، وهو لا تحصونه ؟ ! وأما قراءة النصف عطفاً على «أدنى »، والتقدير : تقوم أدنى من ثلثيه وتقوم نصفه وثلثه. قال الفراءُ : وهو أشبه بالصوابِ ؛ لأنه قال : أقلّ من الثلثين، ثم ذكر نفس القلة لا أقل من القلة.
قال القشيريُّ : وعلى هذه القراءة يحتمل أنهم كانوا يصيبون الثلث والنصف لخفة القيام عليهم بذلك القدر، وكانوا يزيدون، وفي الزيادة إصابة المقصود، فأما الثلثان فكان يثقل عليهم قيامه فلا يصيبونه، وينقصون منه، ويحتمل أنهم أمروا بالقيام نصف الليل، ورخص لهم في الزيادة والنقصان، وكانوا ينتهون في الزيادة إلى قريب من الثلثين، وفي النصف إلى قريب من الثلث، ويحتمل أنَّهُم قدر لهم النصف وأنقص إلى الثلث، والزيادة إلى الثلثين، وكان فيهم من يفي بذلك، وفيهم من يترك ذلك إلى أن نسخ عنهم، وقيل : إنَّما فرض عليهم الربع، وكانوا ينقصون من الربع.
قال القرطبيُّ(٤) :«وهَذَا تَحكُّمٌ ».
قوله :﴿وَطَائِفَةٌ مِّنَ الذين مَعَكَ﴾. رفع بالعطف على الضمير في «تقُومُ »، وجوز ذلك الفصل بالظرف، وما عطف عليه.
قوله :﴿والله يُقَدِّرُ الليل﴾.
قال الزمخشريُّ :«تقديم اسم الله - عز وجل - مبتدأ مبنياً عليه " يقدر " هو الدال على معنى الاختصاص بالتقدير ».
ونازعه أبو حيَّان في ذلك، وقال(٥) :«لو قيل : زيدٌ يحفظ القرآن، لم يدل ذلك على اختصاصه ».
وقيل : الاختصاص في الآية مفهوم من السياق، والمعنى : ليعلم مقادير الليل، والنهار على حقائقها، وأنتم تعلمون بالتحري، والاجتهاد الذي يقع فيه الخطأ.
قوله :﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾، «أنْ لَنْ » و «أنْ سَيكُون » كلاهما مخففة من الثقيلة والفاصل للنفي، وحرف التنفيس.
والمعنى : علم أن لن تطيقُوا معرفة حقائق ذلك، والقيام به، أي : أن الله هو الذي يعلم مقادير الليل والنهار على حقيقته.
وقيل : المعنى : لن تطيقوا قيام الليل، والأصح الأول، لأن قيام الليل ما فرض كله قط.
قال مقاتل وغيره : لما نزل ﴿قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ شق ذلك عليهم، وكان الرجل لا يدري متى نصف الليل، من ثلثه، فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطئ، وانتفخت أقدامهم، وانتقعت ألوانهم، فخفف الله عليهم، وقال :﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾، أي : علم أنكم إن زدتم ثقل عليكم، واحتجتم إلى تكليف ما ليس فرضاً، وإن نقصتم شق معرفة ذلك عليكم(٦).
قوله :﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾، أي : فعاد عليكم بالعفو، وهذا يدل على أنه كان فيهم من ترك بعض ما أمر به.
وقيل :«فتَابَ علَيْكمْ » من فرض القيام أو عن عجزكم، وأصل التوبة الرجوع - كما تقدم - فالمعنى : رجع لكم من تثقيل إلى تخفيف، ومن عسر إلى إيسار، وإنما أمروا بحفظ الأوقات بالتحري، فخفف عنهم ذلك التحري.
وقيل : معنى قوله :﴿والله يُقَدِّرُ الليل والنهار﴾، أي : يخلقهما مقدرين، كقوله تعالى :﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان: ٢].
قال ابنُ العربي : تقدير الخلقة لا يتعلق به حكم وإنما يربط الله به ما يشاء من وظائف التكليف. قوله :﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾.
قيل : المراد نفس القراءةِ، أي : فاقرأوا فيما تصلون به بالليل ما خف عليكم.
قال السديُّ : مائة آية(٧).
وقال الحسنُ : من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن(٨).
وقال كعبٌ : من قرأ في ليلةٍ مائة آيةٍ كتب من القانتين(٩).
وقال سعيد بن جبير : خمسون آية(١٠).
قال القرطبي(١١) : قول كعب أصح، «لقوله - عليه الصلاة والسلام- :" مَنْ قَامَ بِعشْرِ آيَاتٍ لمْ يُكتَبْ مِنَ الغَافِلِينَ، ومَنْ قَامَ بِمائَةِ آيةٍ كُتِبَ مِنَ القَانِتيْنَ، ومَنْ قَامَ بألفِ آيةٍ كُتِبَ من المُقنطرينَ " (١٢). خرجه أبو داود الطيالسي.
وروى أنس بن مالك قال :" سمعت رسول الله ﷺ يقول :«مَنْ قَرَأ خَمْسينَ آيةً فِي يَومٍ أوْ فِي ليْلةٍ لَمْ يُكتَبْ مَنَ الغَافليْنَ، ومَنْ قَرَأ مِائةَ آيةٍ كُتِبَ مِنَ القَانِتينَ، ومَنْ قَرَأ مائَتَي آيةٍ لَمْ يُحَاجِّهِ القرآنُ إلى يَوْمِ القيامة، ومن قرأ خَمْسمائةِ آيةٍ كُتِبَ لَهُ قِنطارٌ مِنَ الأجْرِ »(١٣).
فقوله :«مَنَ المقُنَطرِيْنَ »، أي : أعطي قنطاراً من الأجر.
وجاء في الحديث :«أن القنطار : ألف ومائتا أوقية، والأوقية خير مما بين السماء والأرض ».
وقال أبو عبيدة : القناطيرُ، واحدها قنطار، ولا تجد العرب تعرف وزنه، ولا واحد للقنطار من لفظه.
وقال ثعلب : المعمول عليه عند العربِ أنه أربعة آلافِ دينارٍ، فإذا قالوا : قناطير مقنطرة فهي اثنا عشر ألف دينار.
وقيل : إن القنطار : ملء جلد ثور ذهباً.
وقيل : ثمانون ألفاً.
وقيل : هي جملة كثيرة مجهولة من المال، نقله ابن الأثير.
وقيل : المعنى :﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾، أي : فصلوا ما تيسر عليكم، والصلاة تسمى قرآناً، قال تعالى :﴿وَقُرْآنَ الفجر إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء: ٧٨]، أي : صلاة الفجر.
قال ابن العربي :«والأول أصح، لأنه أخبر عن الصلاة وإليها يرجع القول ».
قال القرطبيُّ(١٤) :«الأول أصح حملاً للخطاب على ظاهر اللفظ، والقول الثاني مجاز لأنه من تسمية الشيءِ ببعض ما هو من أعماله ».

فصل في بيان أن الآية ناسخة


قال بعض العلماءِ : قوله تعالى ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾ نسخ قيام الليل ونصفه، والنقصان من النصف، والزيادة عليه، ثم يحتمل قول الله - عز وجل - ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ معنيين :
أحدهما : أن يكون فرضاً ثانياً لأنه أزيل به فرض غيره.
والآخر : أن يكون فرضاً منسوخاً أزيل بغيره كما أزيل به غيره، وذلك بقول الله - تعالى - :﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، فاحتمل قوله تعالى :﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ أي : تتهجد بغير الذي فرض عليك مما تيسر منه.
قال الشافعيُّ : فكان الواجب طلب الاستدلال بالسنة على أحد المعنيين فوجدنا سنّة رسول الله ﷺ تدل على أن لا واجب من الصلاة إلا الخمس.

فصل في أن النسخ هنا خاص بالأمة


قال القشيريُّ : والمشهورُ أنَّ نسخ قيامِ الليل كان في حق الأمةِ، وبقيت الفريضةُ في حق النبي ﷺ.
وقيل : إنما النسخ : التقدير بمقدار، وبقي أصل الوجوب كقوله تعالى :﴿فَمَا استيسر مِنَ الهدي﴾[البقرة: ١٩٦]، فالهدي لا بد منه، كذلك لا بد من الصلاة في الليل ولكن فوض تقديره إلى اختيار المصلي، وعلى هذا فقال قوم : فرض قيام الليل بالقليل باق، وهو مذهب الحسنِ.
قال الشافعيُّ : بل نسخ بالكلية، فلا تجب صلاة الليل أصلاً، ولعل الفريضة التي بقيت في حق النبي ﷺ هي هذه، وهو قيامه، ومقداره مفوض إلى خيرته، وإذا ثبت أن القيام ليس فرضاً، فقوله تعالى :﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، معناه : اقرأوا إن تيسر عليكم ذلك وصلوا إن شئتم.
وقال قوم : إنَّ النسخ بالكلية تقرر في حق النبي ﷺ أيضاً، فما كانت صلاة الليل واجبة عليه، وقوله :﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ محمول على حقيقة النفل، ومن قال : نسخ المقدار وبقي أصل وجوب قيام الليل لم ينسخ، فهذا النسخ الثاني وقع ببيان مواقيت الصلاة كقوله تعالى :﴿أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس إلى غَسَقِ الليل﴾[الإسراء: ٧٨] الآية، وقوله تعالى :﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ﴾[الروم: ١٧] الآية، ما في الخبر من أن الزيادة على الصلوات الخمس تطوع.
وقيل : وقع النسخ بقوله تعالى :﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾، والخطاب للنبي ﷺ وللأمة كما أن فرضية الصلاة، وإن خوطب بها النبي ﷺ في قوله :﴿يا أيها المزمل قُمِ الليل﴾ فهي عامة له ولغيره.
وقد قيل : إن فريضة قيام الليل امتدت إلى ما بعد الهجرةِ، ونسخت بالمدينة لقوله تعالى :{ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرض
١ ينظر: السبعة ٦٥٨، والحجة ٦/٣٣٧، وإعراب القراءات ٢/٤٠٧..
٢ ينظر: السابق، وإعراب القراءات ٢/٤٠٧..
٣ الجامع لأحكام القرآن ١٩/٣٥..
٤ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٩/٣٥..
٥ ينظر: البحر المحيط ٨/٣٦٧..
٦ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٩/٣٥-٣٦) عن مقاتل..
٧ ينظر: المصدر السابق وقد ورد هذا مرفوعا من حديث ابن عباس ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/١٣٣) وقال: رواه الطبراني وفيه عبد الرحمن بن طاووس ولم أعرفه وبقية رجاله وثقوا.
وذكره أيضا السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٤٨) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه..

٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٩٤) وذكره القرطبي (١٩/٣٦)..
٩ ينظر المصدر السابق..
١٠ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٩/٣٦)..
١١ الجامع لأحكام القرآن (١٩/٣٦)..
١٢ أخرجه أبو داود (١٣٩٨) وابن خزيمة (٢/١٨١) رقم (١١٤٤) وابن حبان (٦٦٢-موارد) وابن السني في "عمل اليوم الليلة" رقم (٧٠١) من حديث عبد الله بن عمرو.
وله شاهد من حديث ابن عمر بمثله إلا أنه قال في الجملة الأخيرة: "ومن قرأ بمائتي آية كتب من الفائزين" أخرجه الدارمي (٢/٤٦٥-٤٦٦) والحاكم(١/٥٥٥-٥٥٦) وصححه ورده الذهبي بقوله: قلت: إسناده واه..

١٣ أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" رقم (٦٩٤) من حديث أنس..
١٤ ينظر الجامع لأحكام القرآن ١٩/٣٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى