تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي
عن الكتاب
الآية ٢٠ : وقوله تعالى :﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه﴾ قال أبو عبيد : الصواب أن يقرأ : ونصفه وثلثه بالخفض(١) على معنى إضافة أدنى إليهما ؛ فكأنه يقول : إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل وأدنى من نصفه[ وأدنى من ثلثه ](٢) وأدنى يكون على الزيادة والنقصان جميعا، لأن فضل ما بين الثلث إلى النصف، هو السدس. فإذا زاد على الثلث أقل من نصف السدس، فهو إلى الثلث أدنى، وكذلك إذا نقص من الثلث شيئا قليلا، فهو إلى الثلث قريب، فيكون إليه أدنى.
وكذلك الفضل في ما بين النصف إلى الثلثين، هو السدس، فإذا زاد على النصف أكثر من نصف السدس، فهو إلى الثلثين(٣) أدنى، وإذا نقص من نصف السدس، فهو إلى النصف أدنى وأقرب.
ومنهم من اختار النصب فيهما، والوجهان جميعا محتملان، لأن قوله :﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه﴾ ليس فيه إيجاب حكم مبتدأ، وإنما فيه إخبار عن القيام الذي وجد من رسول الله ﷺ.
فجائز أن يكون وجد منه ذلك كله، وهو أن يكون قريبا من الثلثين وقريبا من النصف وأدنى من الثلث على ما ذكره أهل المقالة الأولى، ويكون قد قام أدنى من ثلثي الليل، وقام نصفه وثلثه وأدنى من نصفه وأدنى من ثلثه، فذكر في الثلثين الأدنى لما وجد منه الأدنى من جهة الزيادة والنقصان، ولم توجد موافقة الثلثين.
وأخبر بالنصف والثلث بالأمرين جميعا لوجود الموافقة، وهو أن يكون قام نصف الليل، وقام ثلثه، وقام أدنى من النصف وأدنى من الثلث.
وإذا كان هذا كله محتملا، لم يجز أن يدفع أحد الوجهين، ويتمسك بالوجه الآخر، وهذا كقوله تعالى :﴿قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء﴾[الإسراء: ١٠٢] فقرئ برفع(٤) التاء ونصبه جميعا لما وجد الأمران جميعا ؛ وهو أن يكون موسى عليه السلام وفرعون علما[ بها ](٥) أي بالآيات جميعا.
وكذلك قوله(٦) في سورة سبأ :﴿ربنا باعد بين أسفارنا﴾[ الآية : ١٩ ] وقرئ ربنا باعد(٧) لوجود الأمرين جميعا، وهما(٨) الدعاء والإجابة. فقوله عز وجل :﴿ربنا باعد﴾ دعاء، وقوله : ربنا باعد على الإجابة، ففرق بينهما بالإعراب، فكذلك ههنا لما استقام وجود الوجهين من رسول الله ﷺ استقام أن يقرأ بالنصب والخفض جميعا، ويفرق بينهما بالإعراب، والله أعلم.
ثم يجوز أن يكون المفروض من القيام قدر ثلث الليل، وتكون الزيادة[ بحكم النافلة، ويجوز أن يكون ](٩) كله مفروضا، وإن طال، وزاد على الثلث والنصف والثلثين(١٠). فإن كان[ فإنه ](١١) يجوز الاقتصار على ثلث الليل.
ألا ترى أن فرض الركوع والسجود يقضى(١٢) بإدراك جزء منه ؟ وكذلك فرض القيام [ يقضى ](١٣) بالجزء منه.
ثم إن الركوع وإن طال، فهو من أوله إلى آخره فرض حتى لو أن داخلا شاركه في أول الركوع، ثم رفع رأسه، وشاركه ثالث في آخر ركوعه، ثم رفع رأسه مع الإمام، صار[ كل ](١٤) واحد منهم مدركا لفرض الركوع، وإن كان الإمام، لو اقتصر على جزء منه، كفاه ذلك عن فرضه.
فكذلك الفرض لما انصرف إلى قيام الليل، فصار جميع ما يؤتى من القيام في الليل، وإن طال، فرضا، وإن كان قد يجوز الاجتزاء ببعضه.
وقوله تعالى :﴿وطائفة من الذين معك﴾ في هذه الآية وفي قوله عز وجل :﴿فتاب عليكم﴾ دليل على أن فرض القيام كان على النبي ﷺ وعلى من تبعه من المؤمنين، وإن كان رسول الله ﷺ هو المخصوص بالخطاب بقوله :﴿يا أيها المزمل﴾ لأنه لو لم يكن/ ٦٠٨ – ب/ الفرض شاملا عليهم لم يكن لقوله :﴿فتاب عليكم﴾ معنىً.
ألا ترى أنه إذا لم يفرض علينا قيام الليل في يومنا هذا لم نحتج في ترك القيام إلى أن يتوب الله علينا ؟.
ثم إن الله تعالى، ذكر في التوبة(١٥) وفي ما فيه النسخ خطابا يجمع الجميع بقوله :﴿فتاب عليكم﴾ وبقوله :﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾[ وذكر ](١٦) في ما فيه الأمر خطابا يقتضي الآحاد، وهو قوله :﴿قم الليل إلا قليلا﴾﴿نصفه أو انقص منه قليلا﴾[ الآيتان٢و٣ ] ففي هذا أنه قد يجوز أن يخاطب النبيَّ ﷺ على إدخال غيره فيه تبعا له، ولا يجوز أن يخاطب غير النبي ﷺ ويراد به(١٧) النبي ﷺ في ذكر الخطاب لأن رسول الله ﷺ هو المتبوع.
فجائز إلحاق غيره به، وغيره لا يكون متبوعا حتى يلحق به رسول الله ﷺ وقوله تعالى :﴿والله يقدر الليل والنهار﴾ ففيه أن الليل والنهار، ليسا يمضيان على الجزاف، ولكن بتقدير سبق من الله عز وجل وآية ذلك ظاهرة(١٨) لأنهما يجريان مذ خلقا على تقدير واحد، لم يتقدما، ولم يتأخرا، ولم ينقصا، ولم يزادا، فيكون فيه إبانة أن مدبرهما واحد وأن(١٩) الذي قدرهما هكذا من لا يبيد ملكه، ولا ينفذ سلطانه.
وقوله تعالى :﴿علم أن لن تحصوه﴾ قال بعضهم : علم أن لن تطيقوه. قال أبو بكر الأصم : هذا لا يستقيم، لأنه جائز أن يكلفهم الله تعالى ما لا يطيقونه. ألا ترى إلى قوله :﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ ؟ [البقرة: ٢٨٦]. وليس في ما ذكره أبو بكر ما يرفع هذا التأويل لأنه يقال : الأمر إذا اشتد، وتعسر، لا يطاق هذا الأمر، وإن لم يكن ذلك خارجا من الوسع.
ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ ؟ [البقرة: ٢٨٦] وتأويله : لا تحملنا أمرا يشتد علينا عمله، ليس أنهم خافوا أن يحملهم أمرا لا يحتمله وسعهم، فيكون قوله :﴿علم أن لن تحصوه﴾ إن كان تأويله : أن لن تطيقوه، على ذلك، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله :﴿ما لا طاقة لنا به﴾ أي لا تحملنا أمرا يهلك طاقتنا : لا أن يحمّلوا أمرا لا يطيقونه، ألا ترى الإنسان يحتمل القتل ؟ ولكن قتله يهلك طاقته.
وجائز أن يكون قوله :﴿ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ أي اعصمنا من الشهوات واللذات لئلا نؤثرها، فنكون مضيعين بارتكابها قوة الفعل الذي تعبدنا به، فلا نصل إلى فعله. وهذه، هي القوة التي لا تزايل(٢٠) الفعل، بل تطايقه. وأما الفعل الذي هو خارج عن احتمال الوسع والطاقة فذلك هو الذي لا يقع بمثله التكليف.
وجائز أن يكون تأويل قوله تعالى :﴿علم أن لن تحصوه﴾ أي لن تحصوا حدّ(٢١) ما أمركم به ؛ لو حدّ(٢٢) عليكم في أمر بتقدير الثلث والنصف، لم يمكنهم ذلك إلا بعد جهد، ففرض عليكم قيام الثلث من الليل، وجعل لكم الإمكان في أن تزيدوا عليه، فيحيط(٢٣) عملكم بقيام الثلث، ولو كان على حد واحد لم يمكنكم حفظه(٢٤) إلا بعد شدة وجهد، وفي ذلك كلفة عسيرة.
ويؤيد هذا تأويل من قال :﴿علم أن لن تحصوه﴾ أي لن تطيقوه، وتكون الطاعة عبارة عن التعسير واشتداد الأمر.
ثم في الآية دلالة على إباحة تعليق الحكم بالاستحسان لأنه قد فرض عليهم قيام ثلث الليل، ولا يمكنهم تدارك الثلث بتقدير الإحاطة. وإنما يمكنهم بالتقدير الذي يغلب على القلب. فثبت أنه قد يجوز أن يكون الحكم معتبرا بما يقع في القلوب، ويغلب على الظنون، والاستحسان ليس إلا تعليق الحكم بما يغلب على القلوب.
والذي يدل على أن الحكم يلازم بما ذكرنا أن الله تعالى ألزم الحدّ على القاذف وعلى(٢٥) الزاني، ولم يبين مبلغ وقوع الضرب فيه ولا ما يضرب به، فقدر ذلك بما يقع في القلوب أن مثل هذا الضرب يصلح لمثل هذه الجناية، وكذلك قيم الأشياء والأرؤس والنفقات وتسوية المكائيل والموازين، يعتبر ذلك كله بغلبة الظنون من غير أن كان لشيء من ذلك أصل تقدر النوازل به وتنتزع منه.
فثبت أنه يجوز أن يحكم بالذي يغلب على الظنون، وأن المجتهد يرجع إلى وجهين : مرة ينظر[ في ](٢٦) غيره، فيتمثل بهذا، فيسمي ذلك قياسا، ومرة يحكم فيها بما يغلب على الظنون، فيسمي ذلك استحسانا.
وفي هذه الآية دلالة أن سؤال من يسأل أبا حنيفة، رحمه الله، أن الوتر لو كان له مشابه في الفرض لكان لا يختلف بعدده سؤال غير مستقيم، لأنه قد فرض على القوم أن يقوموا ثلث الليل. وقد أخبر عز وجل أنهم لا يحصون حدّ ما أمرهم به. وإذا لم يحصوا، فلا بد أن يقع هناك زيادة أو نقصان. فكذلك الوتر، وإن كان حدّ عدده غير معروف، وهو لا يخرجه عن حكم الفرائض، والله أعلم، في قوله عز وجل :﴿علم أن لن تحصوه فتاب عليكم﴾ هو أن الله تعالى وقت ما فرض عليهم علم أنهم لا يحصونه، ولكن بين هذا ليعلموا أن الله تعالى إن يكلفهم إقامة العبادة إلى وقت لا يتهيأ لهم إحاطة مبلغ ذلك الوقت إلا بعد جهد ليعرفوا منة الله عليهم إذا أسقط عنهم ذلك التكليف، وهو كقوله عز وجل :﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ [الأنفال: ٦٦] ولكن ذكر هذا ليعلموا أنهم يكلفون القيام للعسرة، وإن كان بهم ضعف، لكن إذا خفف عنهم عرفوا ما لله عليهم من عظيم المنة.
وقوله تعالى :﴿فتاب عليكم﴾ يحتمل أن تكون طائفة منهم امتنعوا عن القيام، فتكون التوبة راجعة إليهم. ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وطائفة من الذين معك﴾ ؟ فهذا يبين أنهم جميعا لم يقوموا معه، وإنما قامت طائفة، فتكون التوبة راجعة إلى الطائفة التي امتنعت عن القيام.
وجائز أن تكون راجعة إليهم وإلى الذين قاموا معه، فيكون الذين قاموا معه قصّروا القيام عن الحدّ الذي شرط عليهم، فافتقروا إلى التوبة أيضا كما افتقر إليها(٢٧) من تخلف عن القيام فتاب الله عليهم جميعا، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾ فمنهم من ذكر أن قيام الليل صار منسوخا بهذه الآية، ومنهم من يقول بأن النسخ وقع بقوله تعالى :﴿وأقيموا الصلاة﴾ وهي الصلاة المفروضة، وليس بينهما فرق عندنا. وإنما نسخ بها جميعا.
ووجه النسخ، هو بالاقتصار أن فرض القيام لو كان باقيا لكان لا يجوز لهم أن يكتفوا من القراءة بما يتيسر عليهم لأنهم إذا قاموا إلى ثلث الليل لزمهم تبليغ القراءة إلى حدّ يتعسر عليهم، ويشتد.
فإذا أذن بالاقتصار على القدر الذي تيسر، علم أنه قد سقط عنهم أن يقوموا ثلث الليل.
ثم هو إذا قام صلاة/ ٦٠٩ – أ/ المغرب والعشاء قد قرأ من القرآن ما تيسر عليه، فصار قاضيا لما اقتضاه قوله :﴿فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾.
فمن هذا الوجه استدلوا بهذه الآية على نسخ حكم القيام بالليل.
ثم هذه القراءة يقيمها في الصلاة، فيكون النسخ واقعا بهما.
ثم من الناس من يزعم أن فرض القيام سقط عن رسول الله ﷺ وعن أمته، واستدل بقوله :﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ [الإسراء: ٧٩] وإن كان الفرض عليه قائما لم يكن التهجد به نافلة.
ومنهم من زعم أنه لم يسقط عنه فرض القيام، بل دام إلى أن قبض عليه السلام واحتج بما روي عن النبي ﷺ أنه قال :( كتب عليّ قيام الليل، ولم يكتب عليكم ) ومعناه : بقي عليّ مكتوبا، ورفع عنكم، إذ دللنا أن القيام في الابتداء كان عليه وعليهم جميعا.
وقد قال بعض الناس : إن صلاة الليل، لم تكن فرضا على أمته بهذا الحديث، وما ذكرناه حجة عليهم.
ثم الجواب عن التعلق[ بقوله :](٢٨)﴿فتهجد به نافلة لك﴾ معناه : غنيمة لك، لا أن يكون القيام منه تطوعا. ووجه صرفه إلى الغنيمة، هو(٢٩) أن ا
وكذلك الفضل في ما بين النصف إلى الثلثين، هو السدس، فإذا زاد على النصف أكثر من نصف السدس، فهو إلى الثلثين(٣) أدنى، وإذا نقص من نصف السدس، فهو إلى النصف أدنى وأقرب.
ومنهم من اختار النصب فيهما، والوجهان جميعا محتملان، لأن قوله :﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه﴾ ليس فيه إيجاب حكم مبتدأ، وإنما فيه إخبار عن القيام الذي وجد من رسول الله ﷺ.
فجائز أن يكون وجد منه ذلك كله، وهو أن يكون قريبا من الثلثين وقريبا من النصف وأدنى من الثلث على ما ذكره أهل المقالة الأولى، ويكون قد قام أدنى من ثلثي الليل، وقام نصفه وثلثه وأدنى من نصفه وأدنى من ثلثه، فذكر في الثلثين الأدنى لما وجد منه الأدنى من جهة الزيادة والنقصان، ولم توجد موافقة الثلثين.
وأخبر بالنصف والثلث بالأمرين جميعا لوجود الموافقة، وهو أن يكون قام نصف الليل، وقام ثلثه، وقام أدنى من النصف وأدنى من الثلث.
وإذا كان هذا كله محتملا، لم يجز أن يدفع أحد الوجهين، ويتمسك بالوجه الآخر، وهذا كقوله تعالى :﴿قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء﴾[الإسراء: ١٠٢] فقرئ برفع(٤) التاء ونصبه جميعا لما وجد الأمران جميعا ؛ وهو أن يكون موسى عليه السلام وفرعون علما[ بها ](٥) أي بالآيات جميعا.
وكذلك قوله(٦) في سورة سبأ :﴿ربنا باعد بين أسفارنا﴾[ الآية : ١٩ ] وقرئ ربنا باعد(٧) لوجود الأمرين جميعا، وهما(٨) الدعاء والإجابة. فقوله عز وجل :﴿ربنا باعد﴾ دعاء، وقوله : ربنا باعد على الإجابة، ففرق بينهما بالإعراب، فكذلك ههنا لما استقام وجود الوجهين من رسول الله ﷺ استقام أن يقرأ بالنصب والخفض جميعا، ويفرق بينهما بالإعراب، والله أعلم.
ثم يجوز أن يكون المفروض من القيام قدر ثلث الليل، وتكون الزيادة[ بحكم النافلة، ويجوز أن يكون ](٩) كله مفروضا، وإن طال، وزاد على الثلث والنصف والثلثين(١٠). فإن كان[ فإنه ](١١) يجوز الاقتصار على ثلث الليل.
ألا ترى أن فرض الركوع والسجود يقضى(١٢) بإدراك جزء منه ؟ وكذلك فرض القيام [ يقضى ](١٣) بالجزء منه.
ثم إن الركوع وإن طال، فهو من أوله إلى آخره فرض حتى لو أن داخلا شاركه في أول الركوع، ثم رفع رأسه، وشاركه ثالث في آخر ركوعه، ثم رفع رأسه مع الإمام، صار[ كل ](١٤) واحد منهم مدركا لفرض الركوع، وإن كان الإمام، لو اقتصر على جزء منه، كفاه ذلك عن فرضه.
فكذلك الفرض لما انصرف إلى قيام الليل، فصار جميع ما يؤتى من القيام في الليل، وإن طال، فرضا، وإن كان قد يجوز الاجتزاء ببعضه.
وقوله تعالى :﴿وطائفة من الذين معك﴾ في هذه الآية وفي قوله عز وجل :﴿فتاب عليكم﴾ دليل على أن فرض القيام كان على النبي ﷺ وعلى من تبعه من المؤمنين، وإن كان رسول الله ﷺ هو المخصوص بالخطاب بقوله :﴿يا أيها المزمل﴾ لأنه لو لم يكن/ ٦٠٨ – ب/ الفرض شاملا عليهم لم يكن لقوله :﴿فتاب عليكم﴾ معنىً.
ألا ترى أنه إذا لم يفرض علينا قيام الليل في يومنا هذا لم نحتج في ترك القيام إلى أن يتوب الله علينا ؟.
ثم إن الله تعالى، ذكر في التوبة(١٥) وفي ما فيه النسخ خطابا يجمع الجميع بقوله :﴿فتاب عليكم﴾ وبقوله :﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾[ وذكر ](١٦) في ما فيه الأمر خطابا يقتضي الآحاد، وهو قوله :﴿قم الليل إلا قليلا﴾﴿نصفه أو انقص منه قليلا﴾[ الآيتان٢و٣ ] ففي هذا أنه قد يجوز أن يخاطب النبيَّ ﷺ على إدخال غيره فيه تبعا له، ولا يجوز أن يخاطب غير النبي ﷺ ويراد به(١٧) النبي ﷺ في ذكر الخطاب لأن رسول الله ﷺ هو المتبوع.
فجائز إلحاق غيره به، وغيره لا يكون متبوعا حتى يلحق به رسول الله ﷺ وقوله تعالى :﴿والله يقدر الليل والنهار﴾ ففيه أن الليل والنهار، ليسا يمضيان على الجزاف، ولكن بتقدير سبق من الله عز وجل وآية ذلك ظاهرة(١٨) لأنهما يجريان مذ خلقا على تقدير واحد، لم يتقدما، ولم يتأخرا، ولم ينقصا، ولم يزادا، فيكون فيه إبانة أن مدبرهما واحد وأن(١٩) الذي قدرهما هكذا من لا يبيد ملكه، ولا ينفذ سلطانه.
وقوله تعالى :﴿علم أن لن تحصوه﴾ قال بعضهم : علم أن لن تطيقوه. قال أبو بكر الأصم : هذا لا يستقيم، لأنه جائز أن يكلفهم الله تعالى ما لا يطيقونه. ألا ترى إلى قوله :﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ ؟ [البقرة: ٢٨٦]. وليس في ما ذكره أبو بكر ما يرفع هذا التأويل لأنه يقال : الأمر إذا اشتد، وتعسر، لا يطاق هذا الأمر، وإن لم يكن ذلك خارجا من الوسع.
ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ ؟ [البقرة: ٢٨٦] وتأويله : لا تحملنا أمرا يشتد علينا عمله، ليس أنهم خافوا أن يحملهم أمرا لا يحتمله وسعهم، فيكون قوله :﴿علم أن لن تحصوه﴾ إن كان تأويله : أن لن تطيقوه، على ذلك، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله :﴿ما لا طاقة لنا به﴾ أي لا تحملنا أمرا يهلك طاقتنا : لا أن يحمّلوا أمرا لا يطيقونه، ألا ترى الإنسان يحتمل القتل ؟ ولكن قتله يهلك طاقته.
وجائز أن يكون قوله :﴿ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ أي اعصمنا من الشهوات واللذات لئلا نؤثرها، فنكون مضيعين بارتكابها قوة الفعل الذي تعبدنا به، فلا نصل إلى فعله. وهذه، هي القوة التي لا تزايل(٢٠) الفعل، بل تطايقه. وأما الفعل الذي هو خارج عن احتمال الوسع والطاقة فذلك هو الذي لا يقع بمثله التكليف.
وجائز أن يكون تأويل قوله تعالى :﴿علم أن لن تحصوه﴾ أي لن تحصوا حدّ(٢١) ما أمركم به ؛ لو حدّ(٢٢) عليكم في أمر بتقدير الثلث والنصف، لم يمكنهم ذلك إلا بعد جهد، ففرض عليكم قيام الثلث من الليل، وجعل لكم الإمكان في أن تزيدوا عليه، فيحيط(٢٣) عملكم بقيام الثلث، ولو كان على حد واحد لم يمكنكم حفظه(٢٤) إلا بعد شدة وجهد، وفي ذلك كلفة عسيرة.
ويؤيد هذا تأويل من قال :﴿علم أن لن تحصوه﴾ أي لن تطيقوه، وتكون الطاعة عبارة عن التعسير واشتداد الأمر.
ثم في الآية دلالة على إباحة تعليق الحكم بالاستحسان لأنه قد فرض عليهم قيام ثلث الليل، ولا يمكنهم تدارك الثلث بتقدير الإحاطة. وإنما يمكنهم بالتقدير الذي يغلب على القلب. فثبت أنه قد يجوز أن يكون الحكم معتبرا بما يقع في القلوب، ويغلب على الظنون، والاستحسان ليس إلا تعليق الحكم بما يغلب على القلوب.
والذي يدل على أن الحكم يلازم بما ذكرنا أن الله تعالى ألزم الحدّ على القاذف وعلى(٢٥) الزاني، ولم يبين مبلغ وقوع الضرب فيه ولا ما يضرب به، فقدر ذلك بما يقع في القلوب أن مثل هذا الضرب يصلح لمثل هذه الجناية، وكذلك قيم الأشياء والأرؤس والنفقات وتسوية المكائيل والموازين، يعتبر ذلك كله بغلبة الظنون من غير أن كان لشيء من ذلك أصل تقدر النوازل به وتنتزع منه.
فثبت أنه يجوز أن يحكم بالذي يغلب على الظنون، وأن المجتهد يرجع إلى وجهين : مرة ينظر[ في ](٢٦) غيره، فيتمثل بهذا، فيسمي ذلك قياسا، ومرة يحكم فيها بما يغلب على الظنون، فيسمي ذلك استحسانا.
وفي هذه الآية دلالة أن سؤال من يسأل أبا حنيفة، رحمه الله، أن الوتر لو كان له مشابه في الفرض لكان لا يختلف بعدده سؤال غير مستقيم، لأنه قد فرض على القوم أن يقوموا ثلث الليل. وقد أخبر عز وجل أنهم لا يحصون حدّ ما أمرهم به. وإذا لم يحصوا، فلا بد أن يقع هناك زيادة أو نقصان. فكذلك الوتر، وإن كان حدّ عدده غير معروف، وهو لا يخرجه عن حكم الفرائض، والله أعلم، في قوله عز وجل :﴿علم أن لن تحصوه فتاب عليكم﴾ هو أن الله تعالى وقت ما فرض عليهم علم أنهم لا يحصونه، ولكن بين هذا ليعلموا أن الله تعالى إن يكلفهم إقامة العبادة إلى وقت لا يتهيأ لهم إحاطة مبلغ ذلك الوقت إلا بعد جهد ليعرفوا منة الله عليهم إذا أسقط عنهم ذلك التكليف، وهو كقوله عز وجل :﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ [الأنفال: ٦٦] ولكن ذكر هذا ليعلموا أنهم يكلفون القيام للعسرة، وإن كان بهم ضعف، لكن إذا خفف عنهم عرفوا ما لله عليهم من عظيم المنة.
وقوله تعالى :﴿فتاب عليكم﴾ يحتمل أن تكون طائفة منهم امتنعوا عن القيام، فتكون التوبة راجعة إليهم. ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وطائفة من الذين معك﴾ ؟ فهذا يبين أنهم جميعا لم يقوموا معه، وإنما قامت طائفة، فتكون التوبة راجعة إلى الطائفة التي امتنعت عن القيام.
وجائز أن تكون راجعة إليهم وإلى الذين قاموا معه، فيكون الذين قاموا معه قصّروا القيام عن الحدّ الذي شرط عليهم، فافتقروا إلى التوبة أيضا كما افتقر إليها(٢٧) من تخلف عن القيام فتاب الله عليهم جميعا، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾ فمنهم من ذكر أن قيام الليل صار منسوخا بهذه الآية، ومنهم من يقول بأن النسخ وقع بقوله تعالى :﴿وأقيموا الصلاة﴾ وهي الصلاة المفروضة، وليس بينهما فرق عندنا. وإنما نسخ بها جميعا.
ووجه النسخ، هو بالاقتصار أن فرض القيام لو كان باقيا لكان لا يجوز لهم أن يكتفوا من القراءة بما يتيسر عليهم لأنهم إذا قاموا إلى ثلث الليل لزمهم تبليغ القراءة إلى حدّ يتعسر عليهم، ويشتد.
فإذا أذن بالاقتصار على القدر الذي تيسر، علم أنه قد سقط عنهم أن يقوموا ثلث الليل.
ثم هو إذا قام صلاة/ ٦٠٩ – أ/ المغرب والعشاء قد قرأ من القرآن ما تيسر عليه، فصار قاضيا لما اقتضاه قوله :﴿فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾.
فمن هذا الوجه استدلوا بهذه الآية على نسخ حكم القيام بالليل.
ثم هذه القراءة يقيمها في الصلاة، فيكون النسخ واقعا بهما.
ثم من الناس من يزعم أن فرض القيام سقط عن رسول الله ﷺ وعن أمته، واستدل بقوله :﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ [الإسراء: ٧٩] وإن كان الفرض عليه قائما لم يكن التهجد به نافلة.
ومنهم من زعم أنه لم يسقط عنه فرض القيام، بل دام إلى أن قبض عليه السلام واحتج بما روي عن النبي ﷺ أنه قال :( كتب عليّ قيام الليل، ولم يكتب عليكم ) ومعناه : بقي عليّ مكتوبا، ورفع عنكم، إذ دللنا أن القيام في الابتداء كان عليه وعليهم جميعا.
وقد قال بعض الناس : إن صلاة الليل، لم تكن فرضا على أمته بهذا الحديث، وما ذكرناه حجة عليهم.
ثم الجواب عن التعلق[ بقوله :](٢٨)﴿فتهجد به نافلة لك﴾ معناه : غنيمة لك، لا أن يكون القيام منه تطوعا. ووجه صرفه إلى الغنيمة، هو(٢٩) أن ا
١ انظر معجم القراءات القرآنية ح ٧/٢٥٥..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل و م: الاثنين..
٤ انظر معجم القراءات القرآنية ح ٣/٣٤٠..
٥ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٦ في الأصل: قال..
٧ انظر معجم القراءات القرآنية ح٥/١٥٥..
٨ في الأصل و م: وهو..
٩ من م، ساقطة من الأصل..
١٠ الواو ساقطة من الأصل و م..
١١ ساقطة من الأصل و م..
١٢ من م، في الأصل: يقتضي..
١٣ ساقطة من الأصل و م..
١٤ من م، ساقطة من الأصل..
١٥ من م، في الأصل: التورية..
١٦ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
١٧ أدرج بعدها في الأصل و م: غير..
١٨ في الأصل و م: ظاهر..
١٩ من م، في الأصل: ولأن..
٢٠ من م، في الأصل: يزال..
٢١ في الأصل و م: أخذ..
٢٢ في الأصل و م: أخذ..
٢٣ في الأصل و م: فيحبط..
٢٤ في الأصل و م: حفظ..
٢٥ الواو ساقطة من الأصل و م..
٢٦ من نسخة الحرم المكي، ساقطة م الأصل و م..
٢٧ في الأصل و م: إليهم..
٢٨ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٢٩ في الأصل و م: وهو..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل و م: الاثنين..
٤ انظر معجم القراءات القرآنية ح ٣/٣٤٠..
٥ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٦ في الأصل: قال..
٧ انظر معجم القراءات القرآنية ح٥/١٥٥..
٨ في الأصل و م: وهو..
٩ من م، ساقطة من الأصل..
١٠ الواو ساقطة من الأصل و م..
١١ ساقطة من الأصل و م..
١٢ من م، في الأصل: يقتضي..
١٣ ساقطة من الأصل و م..
١٤ من م، ساقطة من الأصل..
١٥ من م، في الأصل: التورية..
١٦ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
١٧ أدرج بعدها في الأصل و م: غير..
١٨ في الأصل و م: ظاهر..
١٩ من م، في الأصل: ولأن..
٢٠ من م، في الأصل: يزال..
٢١ في الأصل و م: أخذ..
٢٢ في الأصل و م: أخذ..
٢٣ في الأصل و م: فيحبط..
٢٤ في الأصل و م: حفظ..
٢٥ الواو ساقطة من الأصل و م..
٢٦ من نسخة الحرم المكي، ساقطة م الأصل و م..
٢٧ في الأصل و م: إليهم..
٢٨ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٢٩ في الأصل و م: وهو..