اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿قُمِ الليل﴾. العامة : على كسر الميم لالتقاء الساكنين.
وأبو السمال(١) : بضمها، إتباعاً لحركة القاف.
وقرئ(٢) : بفتحها طلباً للخفة.
قال أبو الفتح : الغرض : الهرب من التقاء الساكنين، فبأيِّ حركة تحرك الأول حصل الغرض.
قال شهاب الدين(٣) :" إلا أن الأصل : الكسر، لدليل ذكره النحويون، و «الليل » ظرف للقيام وإن استغرقه الحدث الواقع فيه، هذا قول البصريين، وأما الكوفيون فيجعلون هذا النوع مفعولاً به ".
قال القرطبي(٤) :" وهو من الأفعال القاصرة الغير متعدية إلى مفعول، فأما ظرف المكان والزمان فسائغ فيه، إلا أن ظرف المكان لا يتعدى إليه إلا بواسطة، لا تقول :«قمت الدار » حتى تقول :«قُمْتُ وسَط الدَّارِ، وخارج الدارِ »، وقد قيل هنا : إن «قم » معناه : صل، عبر به هنا واستعير له حتى صار عرفاً بكثرة الاستعمال ".

فصل في حد الليل


الليل : حده من غروب الشمس إلى طلوع الفجر وقد تقدم بيانه في البقرة.
قال القرطبيُّ(٥) :" واختلف هل كان قيامه فرضاً أو نفلاً ؟ والدلائل تقوي أن قيامه كان فرضاً لأن الندب لا يقع على بعض الليل دون بعض لأن قيامه ليس مخصوصاً بوقت دون وقتٍ ".
واختلف هل كان فرضاً على النبي ﷺ وحده، أو عليه وعلى من كان قبله من الأنبياء، أو عليه وعلى أمته، ثلاثة أقوالٍ :
الأول : قول سعيد بن جبيرٍ لتوجه الخطاب إليه.
الثاني : قول ابن عباسٍ، قال : كان قيامُ الليل فريضة على النبي ﷺ والأنبياء قبله.
الثالث : قول عائشة وابن عباس أيضاً وهو الصحيح أنه كان فرضاً عليه وعلى أمته، لما روى «مسلم » :«أن سعد بن هشام بن عامر قال لعائشة رضي الله عنها : أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ فقالت : ألست تقرأ :﴿يا أيها المزمل﴾ قلت : بلى، قالت : فإن الله - عز وجل - افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام النبي ﷺ وأصحابه حولاً، وأمسك الله - عز وجل - خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء، حتى أنزل الله - عز وجل - في آخر السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد أن كان فريضة »(٦).
وروى وكيع، ويعلى ابن عباس قال : لما نزلت :﴿يا أيها المزمل﴾ كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين نزول أولها وآخرها نحو من سنة(٧).
وقال سعيد بن جبير : مكث النبي ﷺ وأصحابه عشر سنين يقومون الليل، فنزلت بعد عشر سنين ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ﴾[المزمل: ٢٠] فخفف الله عنهم(٨).
وقيل : كان قيام الليل واجباً، ثم نسخ بالصلوات الخمس.
وقيل : عسر عليهم تمييز القدر الواجب فقاموا الليل كلَّه فشق ذلك عليهم فنسخ بقوله في آخرها ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾ وكان بين الوجوب ونسخه سنة.
وقيل : نسخ التقدير بمكة وبقي التهجد، حتى نسخ بالمدينة.
وقيل : لم يجب التهجد قط لقوله ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾[الإسراء: ٧٩]، ولأنه لو وجب عليه ﷺ لوجب على أمته لقوله تعالى ﴿فاتبعوه﴾[الأعراف: ١٥٨]، والنسخ على خلاف الأصل، ولأنه فرض تعيين المقدار أي المكلف وذلك ينافي الوجوب.
١ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٣٨٧، والبحر المحيط ٨/٣٥٣، والدر المصون ٦/٤٠١..
٢ ينظر: الكشاف ٤/٦٣٦، والبحر المحيط ٨/٣٥٣، والدر المصون ٦/٤٠١..
٣ الدر المصون ٦/٤٠١..
٤ الجامع لأحكام القرآن ١٩/٢٣..
٥ السابق ١٩/٢٤..
٦ أخرجه مسلم (١/٢٥٢-٥١٣) صلاة المسافرين: باب جامع صلاة الليل حديث رقم (١٣٩/٧٤٦)..
٧ أخرجه الحاكم (٢/٥٠٥) من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٤١) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن نصر والطبراني.
وقد أخرجه أبو داود (١/١٤٦) كتاب الصلاة: باب: نسخ قيام الليل والتيسير فيه حديث (١٣٠٥) من طريق سماك الحنفي عن ابن عباس بنحوه..

٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٧٩) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٤١) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى