اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
ثم إنه تعالى لما أبطل قولهم شرح بعده عظمة يوم القيامة، وهو قوله :﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ «يَوْمَ » منصوب بقوله «فليَأتُوا » أي : فليأتوا بشركائهم يوم يكشفُ عن ساق ليشفع الشركاء لهم وحينئذ لا يوقف على «صَادِقينَ ».
أو بإضمارِ «اذْكُرْ » فيكون مفعولاً به، أو بمحذوفٍ وهو ظرف، أي : يوم يكشف يكون كيت وكيت. أو ب «خَاشِعةً ». قاله أبو البقاء.
و «عَنْ ساقٍ » قائم مقام الفاعل.
وقرأ ابن مسعود(١) وابن أبي عبلة :«تكشف » بالتاء من فوق مبنياً للفاعل، أي : الشدة والساعة. وعنه أيضاً كذلك : مبنياً للمفعول(٢).
وهي مشكلة، لأن التأنيث لا معنى له هاهنا إلا أن يقال : إن المفعول مستتر، أي : تكشف هي، أي : الشدة، ويتعلق «عَنْ ساقٍ » بمحذوف، أي : تكشف عن ساقها.
ولذلك قال الزمخشري :«وتكشف » بالتاء مبنياً للفاعل والمفعول جميعاً، والفعل للساعة، أو الحال : أي يشتد الحال، أو الساعة.
وقرئ(٣) :«ويُكشِفُ » - بضم التاء أو الياء وكسر الشين - من «أكشف » إذا دخل في الكشف، وأكشف الرجل إذا انقلبت شفته العليا لانكشاف ما تحتها. ويقال له أيضاً : أخلع وكشف الساق كناية عن الشدة.
قال الراجز :[ الرجز ]
٤٨٣١ - عَجِبْتُ مِنْ نَفْسِي ومِنْ إشْفَاقِهَاومِنْ طِرَادِي الطَّيْرَ عَنْ أرْزَاقِهَا
في سَنةٍ قَدْ كشَفَتْ عَنْ سَاقِهَاحَمْرَاءِ تَبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عُراقِهَا(٤)
وقال حاتم الطائيُّ :[ الطويل ]
٤٨٣٢-أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ به الحَرْبُ عضَّهَاوإنْ شَمَّرْتَ عَنْ سَاقهَا الحَرْبُ شَمَّرَا(٥)
وقال الآخر :[ مجزوء الكامل ]
٤٨٣٣ - كَشفَتْ لَهُمْ عَنْ سَاقِهَاوبَدَا مِنَ الشَّرِّ البَواحُ(٦)
وقال الراجز :[ الرجز ]
٤٨٣٤ أ - قَدْ شَمرَتْ عَنْ سَاقِهَا فشُدُّواوجَدَّتِ الحَرْبُ بِكُمْ فَجِدُّوا(٧)
وقال الآخر :[ السريع، أو الرجز ]
٤٨٣٤ ب - صَبْراً أُمامُ إنَّهُ شَرُّ بَاقْوقَامتِ الحَرْبُ بِنَا على سَاقْ(٨)
قال الزمخشريُّ : الكشفُ عن الساق والإبداء عن الخدام مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدراتِ عن سوقهن في الهرب وإبداء خدامهن عند ذلك ؛ قال حاتم :
٤٨٣٥أ - أخو الحَرْبِ. . .. . . (٩)
وقال ابن قيس الرُّقيَّاتِ :[ الخفيف ]
٤٨٣٥ ب - تُذِهِلُ الشَّيْخَ عنْ بنيهِ وتُبْدِيعَنْ خِدَامِ العَقيلَةُ العَذْراءُ(١٠)
انتهى.

فصل في «الساق »


قال ابن عباس في قوله تعالى :﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾، قال : كرب وشدة(١١).
وعن مجاهد : شدة الأمر وحده(١٢).
وروى مجاهد عن ابن عباس قال : أشد ساعةٍ في القيامة(١٣).
وقال أبو عبيدة : إذا اشتد الأمر، أو الحرب قيل كشف الأمر عن ساقه.
والأصل فيه : أن من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد، شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة.
وقيل : ساق الشيء : أصله الذي به قوامه كساق الشجرة، وساق الإنسان، أي : يوم يكشفُ عن أصل الأمر، فتظهر حقائق الأمور، وأصلها.
وقيل : يكشف عن ساق جهنم.
وقيل : عن ساق العرش.
وقيل : يريد وقت اقتراب الأجل وضعف البدن، أي : يكشف المريض عن ساقه ليبصر ضعفه، ويدعوه المؤذنون إلى الصلاة، فلا يمكنه أن يقوم، ويخرج.

فصل في تأويل «الساق »


قال القرطبيُّ : فأما ما روي الله تعالى يكشف عن ساقه، فإنه - عز وجل - يتعالى عن الأعضاء، والأبعاض، وأن ينكشف، ويتغطى، ومعناه أن يكشف عن العظيم من أمره وقيل :«يكشف عن نوره عز وجل ».
وروى أبو موسى عن النبي ﷺ في قوله تعالى ﴿عَنْ سَاقٍ﴾ قال : يكشف عن نورٍ عظيمٍ يخِرُّونَ لهُ سُجَّداً(١٤).
وروى أبو بردة عن أبي موسى قال : حدثني أبي قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامةِ مثِّل لِكُلِّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبدُونَ فِي الدُّنيَا فيَذْهبُ كُل قَوْمٍ إلى مَا كَانُوا يَعَبْدُون ويبقى أهلُ التَّوحيدِ، فيقال لهم : ما تَنْتَظِرُونَ، وقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ، فيقولون : لنَا رَبٌّ كنَّا نَعْبدُهُ في الدُّنيَا، ولَمْ نَرَهُ، قال : وتعْرِفُونهُ إذَا رأيتمُوهُ ؟ فيقولون : نَعَم، فيُقَالُ لَهُمْ : فَكيْفَ تعرفونه، ولَمْ تَرَوهُ ؟ قالوا : إنه لا شبيهَ لَهُ، فيكشفُ لَهُم الحجابُ، فينْظُرونَ إلى اللَّهِ تعالى، فيخِرُّونَ لَهُ سُجَّداً، ويبقى أقوامٌ ظُهُورُهُمْ كَصَياصِي البَقرِ، فينْظرُونَ إلى اللَّهِ تعالى فيريدون السُّجُودَ، فلا يَسْتطِيْعُونَ، فَذلكَ قوله تعالى :﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ فيقول الله تعالى : عبادي ارفعوا رءوسكم، فقد جعلت بدل كل رجل منكم رجلاً من اليهود والنصارى في النار »(١٥)، قال أبو بردةُ : فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال : الله الذي لا إله إلا هو لقد حدثك أبوك بهذا الحديث ؟ فحلف له ثلاثة أيمانٍ، فقال عمر : سمعتُ في أهل التوحيد حديثاً هو أحب إليَّ من هذا.
١ ينظر الفخر الرازي ٣٠/٨٤، والبحر المحيط ٨/٣٠٩..
٢ ينظر السابق..
٣ ينظر الكشاف ٤/٥٩٥، والبحر المحيط ٨/٣٠٩، والدر المصون ٦/٣٥٨..
٤ ينظر البحر ٨/٣١٠ والقرطبي ١٨/١٦٢، والدر المصون ٦/٣٥٨، واللسان (عرق)، وروح المعاني (٢٩/٤٢)..
٥ ينظر القرطبي ١٨/١٦٢، والكشاف ٤/٥٩٣، والبحر ٨/٣٠٩، والدر المصون ٦/٣٥٨..
٦ البيت لسعد بن مالك بن ضبعة ويروى "الصراح" مكان "البواح". ينظر الكتاب (٢/٣٢٦) والحماسة (٥٠٤)، والخصائص ٣/٢٥٢، والقرطبي ١٨/١٦٢، والبحر ٨/٣١٠، واللسان(سوق) والدر المصون ٦/٣٥٨..
٧ تقدم..
٨ ينظر البحر ٨/٣١٠، والدر المصون ٦/٣٥٨..
٩ ونسب أيضا لمحمد بن الجهم بن هارون..
١٠ وينظر ديوان ابن قيس الرقيات (ص ٩٦)، والأغاني ٥/٦٩ وخزانة الأدب ٧/٢٨٧، ١١/٣٧٧، وسر صناعة الإعراب ص ٥٣٥، وشرح المفصل ٩/٣٧، ولسان العرب (شعا)، والمنصف ٢/٢٣١، والإنصاف ص ٦٦١، وتذكرة النحاة ص ٤٤٤، ومجالس ثعلب ص ١٥٠، ومعجم الشعراء ص ٤٥٠، ورصف المباني ٢/٢٣١..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/١٩٧) والحاكم (٢/٤٩٩-٥٠٠) عن ابن عباس.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٩٧) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في "الأسماء والصفات"..

١٢ أخرجه الطبري في "تفسيره"(١٢/١٩٧) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٩٨) وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مندة..
١٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/١٩٧) وينظر المصادر السابقة..
١٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٠٠) وأبو يعلى (١٣/٢٦٩) رقم (٧٢٨٣) والبيهقي في "الأسماء والصفات" (ص٣٤٧- ٣٤٨) من طريق روح بن جناح عن مولى لعمر بن عبد العزيز عن أبي بردة عن أبيه مرفوعا قال البيهقي: تفرد به روح بن جناح يأتي بأحاديث منكرة لا يتابع عليها.
وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/١٣١) وقال: رواه أبو يعلى وفيه روح بن جناح وثقه دحيم وقال فيه: ليس بالقوي وبقية رجاله ثقات. وذكره أيضا الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" (٣٧٨٨) وعزاه إلى أبي يعلى والحديث زاد نسبته السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٩٧) إلى ابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر..

١٥ تقدم تخريجه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى