فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ «يوم » ظرف لقوله :«فَلْيَأْتُواْ » : أي فليأتوا بها يوم يكشف عن ساق، ويجوز أن يكون ظرفاً لفعل مقدّر : أي اذكر يوم يكشف. قال الواحدي : قال المفسرون في قوله :﴿عَن سَاقٍ﴾ عن شدّة من الأمر. قال ابن قتيبة : أصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجدّ فيه شمر عن ساقه، فيستعار الكشف عن الساق في موضع الشدّة، وأنشد لدريد بن الصمة :
وقال : وتأويل الآية يوم يشتدّ الأمر كما يشتدّ ما يحتاج فيه إلى أن يكشف عن ساق. قال أبو عبيدة : إذا اشتدّ الحرب والأمر قيل : كشف الأمر عن ساقه، والأصل فيه من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجدّ شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عن موضع الشدّة، وهكذا قال غيره من أهل اللغة، وقد استعملت ذلك العرب في أشعارها، ومن ذلك قول الشاعر :
وقول آخر :
وقول آخر أيضاً :
وقول آخر أيضاً في سنة :
وقيل : ساق الشيء : أصله وقوامه كساق الشجرة، وساق الإنسان : أي يوم يكشف عن ساق الأمر فتظهر حقائقه، وقيل : يكشف عن ساق جهنم، وقيل : عن ساق العرش، وقيل : عبارة عن القرب، وقيل : يكشف الربّ سبحانه عن نوره، وسيأتي في آخر البحث ما هو الحق، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. قرأ الجمهور :﴿يُكْشَفُ﴾ بالتحية مبنياً للمفعول، وقرأ ابن مسعود وابن عباس وابن أبي عبلة «تكشف » بالفوقية مبنياً للفاعل : أي الشدّة أو الساعة، وقرئ بالفوقية مبنياً للمفعول، وقرئ بالنون، وقرئ بالفوقية المضمومة وكسر الشين من أكشف الأمر : أي دخل في الكشف ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ قال الواحدي : قال المفسرون : يسجد الخلق كلهم لله سجدة واحدة، ويبقى الكفار والمنافقون يريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون، لأن أصلابهم تيبست فلا تلين للسجود.
قال الربيع بن أنس : يكشف عن الغطاء فيقع من كان آمن بالله في الدنيا، فيسجدون له، ويدعى الآخرون إلى السجود فلا يستطيعون، لأنهم لم يكونوا آمنوا بالله في الدنيا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البخاري وغيره عن أبي سعيد قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً» وهذا الحديث ثابت من طرق في الصحيحين وغيرهما، وله ألفاظ في بعضها طول، وهو حديث مشهور معروف. وأخرج ابن منده عن أبي هريرة في الآية قال : يكشف الله عزّ وجلّ عن ساقه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن منده عن ابن مسعود في الآية قال : يكشف عن ساقه تبارك وتعالى. وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات وضعفه وابن عساكر عن أبي موسى عن النبيّ في الآية قال :«عن نور عظيم فيخرّون له سجداً». وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن منده والبيهقي عن إبراهيم النخعي عن ابن عباس في الآية قال : يكشف عن أمر عظيم، ثم قال : قد قامت الحرب على ساق. قال : وقال ابن مسعود : يكشف عن ساقه فيسجد كلّ مؤمن، ويقسو ظهر الكافر فيصير عظماً واحداً. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه سئل عن قوله :﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ قال : إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر :
وقامت الحرب بنا على ساق ***...
قال ابن عباس : هذا يوم كرب شديد. روي عنه نحو هذا من طرق أخرى، وقد أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول الله كما عرفت، وذلك لا يستلزم تجسيماً ولا تشبيهاً فليس كمثله شيء.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله :﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود وَهُمْ سالمون﴾ قال : هم الكفار يدعون في الدنيا وهم آمنون فاليوم يدعون وهم خائفون. وأخرج البيهقي في الشعب عنه في الآية قال : الرجل يسمع الأذان فلا يجيب الصلاة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضاً في قوله :﴿لَيُزْلِقُونَكَ بأبصارهم﴾ قال : ينفذونك بأبصارهم.
| كميش الإزار خارج نصف ساقه | صبور على الجلاء طلاَّع أنجد |
| أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها | وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا |
| والخيل تعدو عند وقت الإشراق | وقامت الحرب بنا على ساق |
| قد كشفت عن ساقها فشدّوا | وجدّت الحرب بكم فجدّوا |
| قد كشفت عن ساقها حمرا | ء تبري اللحم عن عراقها |
قال الربيع بن أنس : يكشف عن الغطاء فيقع من كان آمن بالله في الدنيا، فيسجدون له، ويدعى الآخرون إلى السجود فلا يستطيعون، لأنهم لم يكونوا آمنوا بالله في الدنيا.
وقامت الحرب بنا على ساق ***...
قال ابن عباس : هذا يوم كرب شديد. روي عنه نحو هذا من طرق أخرى، وقد أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول الله كما عرفت، وذلك لا يستلزم تجسيماً ولا تشبيهاً فليس كمثله شيء.
| دعوا كل قول عند قول محمد | فما آمن في دينه كمخاطر |