جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : خاشِعَةً أبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلّةٌ يقول : تغشاهم ذلة من عذاب الله وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ يقول : وقد كانوا في الدنيا يدعونهم إلى السجود له، وهم سالمون، لا يمنعهم من ذلك مانع، ولا يحول بينه وبينهم حائل. وقد قيل : السجود في هذا الموضع : الصلاة المكتوبة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم التيميّ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ قال : إلى الصلاة المكتوبة.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن أبي سنان، عن سعيد بن جبير وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السّجُودِ قال : يَسْمَعُ المناديَ إلى الصلاة المكتوبة فلا يجيبه.
قال : ثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه، عن إبراهيم التيميّ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السّجُودِ قال : الصلاة المكتوبة.
وبنحو الذي قلنا في قوله وَيُدْعَوْنَ إلى السّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ. . . الآية، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السّجُودِ وَهُمْ سالِمُون قال : هم الكفار كانوا يدعون في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعوهم وهم خائفون، ثم أخبر الله سبحانه أنه حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة، فأما في الدنيا فإنه قال ما كانُوا يسْتَطيعُون السّمْعَ ومَا كانُوا يُبْصِرُونَ وأما في الاَخرة فإنه قال : فَلا يَسْتَطِيعُونَ خاشِعَة أبْصَارُهُمْ.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَيُدْعَوْنَ إلى السّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ذلكم والله يوم القيامة. ذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول :«يُؤْذَنُ للْمُؤْمِنينَ يَوْمَ القِيامَةِ في السّجُودِ، فَيَسْجُدُ المُؤْمِنُونَ، وَبَينَ كُلّ مُؤْمِنَيْنِ مُنافقٌ، فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنافِقِ عَنْ السّجُودِ، ويَجْعَلُ اللّهُ سُجُودَ المُؤْمِنينَ عَلَيْهِمْ تَوْبِيخا وَذُلاّ وَصَغارا، وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً ».
وقوله : وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السّجُودِ أي في الدنيا وَهُمْ سالِمُونَ : أي في الدنيا.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال : بلغني أنه يُؤْذَن للمؤمنين يوم القيامة في السجود بين كل مؤمنين منافق، يسجد المؤمنون، ولا يستطيع المنافق أن يسجد وأحسبه قال : تقسو ظهورهم، ويكون سجود المؤمنين توبيخا عليهم، قال : وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السّجُودِ وَهُم سالِمُونَ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى