التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم أرشده - سبحانه - إلى جانب من مسالكهم الخبيثة، وصفاتهم القبيحة، وحذره من الاستجابة إلى شئ من مقترحاتهم، فقال :﴿فَلاَ تُطِعِ المكذبين. وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾
وقوله :﴿وَدُّواْ﴾ من الود بمعنى المحبة. وقوله :﴿تُدْهِنُ﴾ من الإدهان وهى المسايرة والمصانعة والملاينة للغير. وأصله أن يجعل على الشئ دهنا لكي يلين أو لكي يحسن شكله، ثم استعير للملاينة والمساهلة مع الغير.
أي : إن ربك - أيها الرسول الكريم - لا يخفى عليه شئ من أحوالك وأحوالهم، وما دام الأمر كذلك، فاحذر أن تطيع هؤلاء المكذبين في شئ مما يقترحونه عليك، فإنهم أحبوا وودوا أن تقبل بعض مقترحاتهم، وأن تلاينهم وتطاوعهم فيما يريدون منك.. وهم حينئذ يظهرون لك من جانبهم الملاينة والمصانعة.. حتى لكأنهم يميلون نحو الاستجابة لك، وترك إيذائك وإيذاء أصحابك.
فالآية الكريمة تشير إلى بعض المساومات التي عرضها المشركون على النبي ﷺ وما أكثرها، ومنها : ما ذكره ابن إسحاق في سيرته من أن بعض زعماء المشركين قالوا للنبى ﷺ : يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد، كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد، كنت قد أخذت بحظك منه، فنزلت سورة " الكافرون ".
ومنها ما دار بينه ﷺ وبين الوليد بن المغيرة تارة، وبينه وبين عتبة بن ربيعة تارة أخرى.. مما هو معروف في كتب السيرة.
ولقد قال الرسول ﷺ " لعمه أبي طالب عندما نصحه بأن يترك المشركين وشأنهم، وقال له : يا ابن أخي أشفق على نفسك وعلي، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق.
وقال له ﷺ : يا عماه، والله لو وضعوا الشمس في يمينى، والقمر في يساري. على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك فيه.. ".
والتعبير بقوله :﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ يشير إلى أن الملاينة والمصانعة كانت منهم، لا منه ﷺ، فهم الذين كانوا يحبون منه أن يستجيب لمقترحاتهم، لكي يقابلوا ذلك بالتظاهر بأنهم على صلة طيبة به وبأصحابه.
قال صاحب الكشاف : قوله :﴿فَلاَ تُطِعِ المكذبين﴾ تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم، وكانوا قد أرادوا على أن يعبد الله مدة، وآلهتهم مدة، ويكفوا عن غوائلهم، .
وقوله :﴿لَوْ تُدْهِنُ﴾ لو تلين وتصانع ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾.
فإن : قلت : لماذا رفع " فيدهنون " ولم ينصب بإضمار " أن " وهو جواب التمني ؟ قلت : قد عدل إلى طريق آخر، وهو أنه جعل خبر مبتدأ محذوف. أي : فهم يدهنون، كقوله :﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ على معنى : ودوا لو تدهن فهم يدهنون..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى