إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود
عن الكتاب
﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ فإنَّه تعليلٌ للنَّهيِ أو للانتهاءِ، وإنما عبَّر عنها بالطاعةِ للمبالغةِ في الزجرِ والتنفيرِ، أيْ أَحبُوا لو تلاينُهُم وتسامحُهُم في بعضِ الأمورِ ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ أي فهُم يُدهِنُونَ حينئذٍ، أو فهُم الآنَ يُدْهِنُونَ طمعاً في إدهانِكَ، وقيلَ هو معطوفٌ على تُدهنُ، داخلٌ في حيزِ لَوْ، والمَعْنَى ودُّوا لو يُدهنُونَ عقيبَ إدهانِكَ، ويأباهُ ما سيأتِي من بدئِهِم بالإدهانِ على أن إدهانَهُم أمرٌ محققٌ لا يناسبُ إدخالَهُ تحت التمنِّي، وأيَّاً ما كانَ فالمعتبرُ في جانبِهِم حقيقةُ الإدهانِ الذي هُو إظهارُ الملاينةِ وإضمارُ خلافِهَا، وأمَّا في جانبِهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فالمعتبرُ بالنسبةِ إلى ودادتِهِم هو إظهارُ الملاينةِ فَقَطْ، وأمَّا إضمارُ خلافِهَا فليسَ في حيزِ الاعتبارِ، بلْ هُم في غايةِ الكراهةِ لهُ، إنما اعتبارُهُ بالنسبةِ إليهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وفي بعضِ المصاحفِ فيُدهنُوا على أنَّه جواب التمني المفهوم من ودُّوا، أو أن ما بعده حكاية لودادتهم، وقيل على أنه عطفٌ على تُدهنُ بناءً على أنَّ لَوْ بمنزلةِ أن الناصبةِ، فلا يكونُ لها جوابٌ، وينسَبكُ منهَا وممَّا بعدَهَا مصدرٌ يقعُ مفعولاً لودُّوا كأنَّه قيلَ ودُّوا أنْ تُدهنَ فيدهنوا، وقيلَ لَوْ على حقيقتِهَا، وجوابُهَا وكذا مفعولُ ودُّوا، أي ودُّوا إدهانَكَ لو تُدهنُ فيُدهنُوا لسرُّوا بذلكَ.