تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وجائز أن يكون دعاؤهم رسول الله ﷺ ما ذكر من قوله :﴿ودوا لو تدهن فيدهنون﴾، والمداهنة هي الملاطفة والملاينة في القول.
ثم رسول الله ﷺ كان يذكر آلهتهم بسوء، ويسفّههم بعبادتهم إياها، ويسفه أحلامهم، ويجهّلهم، وهم لم يكونوا يجدون في رسول الله ﷺ مطعنا، فكانوا ينسبونه إلى الكذب مرة، وإلى الجنون ثانيا، وإلى السحر ثالثا، وكانوا يتخذونه هزوا إذا رأوه، فكانوا يطعنون فيه من هذه الأوجه، بإزاء ما كان رسول الله ﷺ يسفههم، ويذكر آلهتهم بسوء، مع علمهم أنه ليس بكذاب ولا ساحر ولا كاهن.
ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك﴾ [الأنعام: ٣٣] فأخبر تعالى أنهم ليسوا يكذبونه لما وقفوا منه على الكذب، بل كانوا عرفوه بالأمانة والصدق، ولم يكونوا وقفوا منه على كذب قط، وإنما الذي حملهم على التكذيب واتخاذهم إياه هزوا ذكره(١) آلهتهم بسوء، ولذلك(٢) قال :﴿وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم﴾ [الأنبياء: ٣٦] فكانت معاملتهم هذه مجازاة لرسول الله ﷺ.
الآية ٩ وقوله تعالى :﴿ودوا لو تدهن فيدهنون﴾ يخرّج على هذا، إن شاء الله تعالى، هو أنك لو تركت ذكر آلهتهم بسوء، ولم تسفه أحلامهم، لامتنعوا أيضا عما عليه من نسبتهم إياك إلى الجنون والسحر والكذب وغير ذلك. ولكنه كان يذكرهم، وهو في ذلك بحق، وهم كانوا يذكرونه بما قالوا بالباطل والزور، فيكون قوله :﴿فلا تطع المكذبين﴾ في ما يدعونك إلى المداهنة.
ثم هم لو داهنوا كانوا في مداهنتهم محقين، فإن تركوا ذلك فقد تركوا الحق الذي كان عليهم.
ورسول الله ﷺ لو داهنهم لم يكن في مداهنتهم محقا. فلذلك نهي عن المداهنة. وقال بعض المفسرين :﴿ودوا لو تدهن فيدهنون﴾ أي لو ترفض ما أنت عليه من الدين، وهذا لا يستقيم لأنه إذا رفض ما هو عليه من الدين كفر، وهم لو تركوا ما هم عليه صاروا مسلمين، فيبقى بينهم الاختلاف الذي لأجله(٣) دعوا إلى المداهنة، وودوها.
١ الهاء ساقطة من الأصل و م.
٢ في الأصل و م: و كذلك.
٣ زيد بعدها في الأصل و م: ما.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى