النكت والعيون — الماوردي
عن الكتاب
﴿كذبت ثمود بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر سيعلمون غدا من الكذاب الأشر إنا مرسلو الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾
﴿إِنَّا إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: أن السعر الجنون، قاله ابن كامل. الثاني: العناء، قاله قتادة. الثالث: الافتراق، قاله السدي. الرابع: التيه، قاله الضحاك. الخامس: أنه جمع سعر وهو وقود النار، قاله ابن بحر وابن عيسى. وعلى هذا التأويل في قولهم ذلك وجهان: أحدهما: أنهم قالوه لعظم ما نالهم أن يتبعوا رجلاً واحداً منهم، كما يقول الرجل إذا ناله خطب عظيم: أنا في النار. الثاني: أنهم لما أوعدوا على تكذيبه ومخالفته بالنار ردوا مثل ما قيل لهم إنّا لو اتبعنا رجلاً مثلنا واحداً كنا إذاً في النار. ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الأشر هو العظيم الكذب، قاله السدي. الثاني: أنه البطر، ومنه قول الشاعر:
الثالث: أنه المتعدي إلى منزلة لا يستحقها. ﴿إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَة فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ أما الاصطبار فهو الافتعال من الصبر وأصل الطاء تاء أبدلت بطاء ليكون اللفظ أسهل مخرجاً ويعذب مسمعاً. وروى أبو الزبير عن جابر قال: لما نزلنا الحجر فغزا رسول الله ﷺ تبوك، قال: (أَيُّهَا النَّاسُ لاَ تَسْأَلُوا عَن هَذِهِ الآياتِ [هؤلاء] قَوْمُ صَالِحٍ سَأَلُوا نَبِيَّهُم أَن يَبْعَثَ اللَّهُ لَهُم آيَة، فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُم نَاقَةً فَكَانَتْ تَرِدُ مِن ذَلَكِ الفَجَ فَتَشْرَبُ مَاءَهُم يَوْمَ وُرُودِهَا وَيَحْلِبُونَ مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْهَا يَوْمَ غِبِّهَا وَيَصْدِرُونَ عَن ذَلِكَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَبِئّهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُم﴾) الآية.
| (أشرتم بلبس الخز لما لبستم | ومن قبل لا تدرون من فتح القرى) |
وفيه وجهان: أحدهما: أن الناقة تحضر الماء يوم ورودهم، وتغيب عنهم يوم ورودها، قاله مقاتل. الثاني: أن ثمود يحضرون الماء يوم غبها فيشربون، ويحضرون اللبن يوم وردها فيحلبون. ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: انه أحمر إرم وشقيها، قاله قتادة، وقد ذكره زهير في شعره فقال:
الثاني: أنه قدار بن سالف، قاله محمد بن إسحاق، وقد ذكره الأفوه في شعره:
﴿فَتَعَاطَى﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن معناه بطش بيده، قاله ابن عباس. الثاني: معناه تناولها وأخذها، ومنه قول حسان بن ثابت:
﴿فَعَقَرَ﴾ قال محمد بن إسحاق: كَمَنَ لها قدار في أصل شجرة على طريقها فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها، ثم شد عليها بالسيف فكشف عرقوبها فخرت ورغت رغاءة واحدة تحدر سقبها [من بطنها وانطلق سقبها] حتى اتى صخرة في رأس الجبل فرغا ثم لاذ بها، فأتاهم صالح، فلما رأى الناقة قد عقروها بكى ثم قال: انتهكتم حرمة الله فأبشروا بعذاب الله. قال ابن عباس: وكان الذي عقرها رجل أحمر أزرق أشقر أكشف أقفى. ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدهما: يعني العظام المحترقة، قاله ابن عباس.
| (فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم | كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم) |
| (أو بعده كقدار حين تابعه | على الغاوية أقوام فقد بادوا) |
| (كلتاهما حلب العصير فعاطني | بزجاجة أرخاهما للمفصل) |
الثاني: أنه التراب الذي يتناثر من الحائط وتصيبه الريح، فيحتظر مستديراً، قاله سعيد بن جبير. الثالث: أنها الحظار البالية من الخشب إذا صار هشيماً، ومنه قول الشاعر:
قاله الضحاك. الرابع: أنه حشيش قد حظرته الغنم فأكلته، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً الخامس: أن الهشيم اليابس من الشجر الذي فيه شوك والمحتظر الذي تحظر به العرب حول ماشيتها من السباع، قاله ابن زيد، وقال الشاعر:
| (أثرت عجاجة كدخان نار | تشب بغرقد بال هشيم) |
| (ترى جيف المطي بجانبيه | كان عظامها خشب الهشيم.) |