التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك، ما أمر به نبيه صالحا - عليه السلام - فقال :﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ الناقة فِتْنَةً لَّهُمْ فارتقبهم واصطبر وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ المآء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾.
وقوله :﴿مُرْسِلُواْ الناقة﴾ أى : مخرجوها وباعثوها، لأنهم اقترحوا على نبيهم صالح أن يأتيهم بمعجزة تدل على صدقه، لكى يتبعوه، فأخرج الله - تعالى - لهم تلك الناقة، من مكان مرتفع قريب منهم.
وإلى هذا المعنى أشار - سبحانه - فى آيات أخرى منها قوله - تعالى - :﴿قالوا إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ المسحرين مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين قَالَ هذه نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ وقوله ﴿فِتْنَةً﴾ أى : اختبارا وامتحانا لهم، فهو مفعول لأجله.
وقوله ﴿فارتقبهم﴾ من الارتقاب بمعنى الانتظار، ومثله ﴿واصطبر﴾ فهو من الاصطبار،
وأل فى قوله :﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ المآء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ للعهد. أى : الماء المعهود لهم، وهو ماء قريتهم الذى يستعملونه فى حوائجهم المتنوعة.
وقوله :﴿قِسْمَةٌ﴾ بمعنى المقسوم، وعبر عنه بالمصدر للمبالغة.
والضمير فى " بينهم " يعود عليهم وعلى الناقة، وجىء بمضير العقلاء على سبيل التغليب.
وقوله :﴿مُّحْتَضَرٌ﴾ اسم مفعول من الحضور الذى هو ضد الغيبة، وحذف المتعلق لظهوره. أى : محتضر عنده صاحبه.
والشِّرْب : النصيب والمرة من الشُّرب.
أى : وقلنا لنبينا صالح على سبيل الإرشاد والتعليم، بعد أن طلب منه قومه معجزة تدل على صدقه. قلنا له. أخبرهم أننا سنرسل الناقة، وسنخرجها لهم أمام أعينهم، لتكون دليلا على صدقك، ولتكون امتحانا واختبارا لهم، حتى يظهر لك وللناس أيؤمنون أم يصرون على كفرهم.
﴿فارتقبهم﴾ - أيها الرسول الكريم -، وانتظر ماذا سيصنعون بعد ذلك ﴿واصطبر﴾ على أذاهم صبرا جميلا، حتى يحكم الله بينك وبينهم.
﴿وَنَبِّئْهُمْ﴾ أى : وأخبرهم خبرا هاما، هذا الخبر هو ﴿أَنَّ المآء﴾ الذى يستقون منه ﴿قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ وبين الناقة، أى : مقسوم بينهم وبينها، فهم لا يشاركونها فى يوم شربها، وهى لا تشاركهم فى يوم شربهم.
﴿كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾ أى : كل نصيب من الماء يحضره من هوله، فالناقة تحضر إلى الماء فى يومها، وهم يحضرون إليه فى يوم آخر.
ففى هاتين الآيتين تعليم حكيم من الله - تعالى - لنبيه صالح، وإرشاد له إلى ما يجب أن يسكله معهم، بيقظة واعية يدل عليها قوله - تعالى- :﴿فارتقبهم﴾ وبصبر جميل لا يأس معه ولا ضجر، كما يشير إليه قوله - تعالى - :﴿واصطبر﴾.
وسياق القصة ينبىء عن كلام محذوف، يعلم من سياقها، والتقدير : أرسلنا الناقة، وقلنا له أخبرهم، أن الماء مقسوم بينهم وبين الناقة واستمروا على ذلك فترة من الزمان، ولكنهم ملوا هذه القسمة، ولم يرتضوها، وأجمعوا على قتل الناقة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى