اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَلَقَدْ جَاءَهُم مِنَ الأنباء﴾ يعني أهل مكة من أخبار الأمم المكذبة والقرآن ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أي مَنَاهِي.
قوله :«مزدجر » يجوز أن يكون فاعلاً ب «فيه »(١) لأن «فيه » وقع صلة وأن يكون مبتدأ، و«فِيهِ » الْخبر. و«الدال » بدل من تاء الافتعال، وأصله مُزْتَجَرٌ، فقُلبت التاء دالاً.
وقد تقدم أن تاء الافتعال تقلب دالاً بعد الزاي، والدال، والذال ؛ لأن الزاي حرف مجهور والتاء حرف مهموس، فأبدلوها إلى حرف مجهورٍ قريب من التاء، وهو الدال. و«مزدجر » هنا اسم(٢) مصدر أي ازدجاراً، أو اسم مكان أي موضع ازدجار. ومعناه فيه نهي وعظة، يقال : زَجَرْتُهُ وازْدَجَرْتُهُ إذا نهيته عن السوء. وقرئ : مُزَّجَر بِقلب تاء الافتعال زاياً ثم أدغم(٣). وزيد بن علي : مُزْجِر(٤) اسم فاعل من أَزْجَرَ صار ذا زَجْرٍ، كَأَعْشَبَ أي صار ذا عُشْبٍ.
والأنباء هي الأخبار العظام التي لها وقع كقول الهدهد ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢]، لأنه كان خبراً عظيماً له وقع وخبر، وقال تعالى :﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] أي بأمر غريب. وإنما يجب التثبُّت فيما يتعلق به حكم ويترتب عليه أمر ذو بال، وقال تعالى :﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغيب نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٤٩]. والمراد بالأنباء هنا أخبار المهلكين المكذّبين(٥).
وقيل : المراد القرآن(٦).
قال ابن الخطيب : وفي ( ما ) وجهان :
الأول : أنها موصولة أي جاءكم الذي فيه مُزْدَجَرٌ(٧).
الثاني : أنها نكرة موصوفة أي جاءكم من الأنباء شيء موصوف بأن فيه مزدجر.
١ أي بمتعلق الجار والمجرور..
٢ التعبير القريب: مصدر ميميّ..
٣ الزايان في بعضهما، ولم يحدد أبو حيان ولا الزمخشري في البحر المحيط والكشاف من قرأ بتلك القراءة. وانظر البحر ٨/١٧٤ والكشاف ٤/٣٦..
٤ ذكرها صاحب البحر المرجع السابق..
٥ وانظر تفسير الإمام الفخر ١٥/٣٢..
٦ وتقديره جاء فيه الأنباء..
٧ قال: وهذا أظهر. وقد قال بالمصدرية والمكانية في "مزدجر": الرازي أيضا نقلا عن الزمخشري وأبو حيان نقلا عنهما معا. وانظر الرازي والكشاف والبحر المراجع السابقة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى