مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر﴾ إشارة إلى أن كل ما هو لطف بالعباد قد وجد، فأخبرهم الرسول باقتراب الساعة، وأقام الدليل على صدقه، وإمكان قيام الساعة عقيب دعواه بانشقاق القمر الذي هو آية لأن من يكذب بها لا يصدق بشيء من الآيات فكذبوا بها واتبعوا الأباطيل الذاهبة، وذكروا الأقاويل الكاذبة فذكر لهم أنباء المهلكين بالآيتين تخويفا لهم، وهذا هو الترتيب الحكمي، ولهذا قال بعد الآيات :﴿حكمة بالغة﴾ أي هذه حكمة بالغة، والأنباء هي الأخبار العظام، ويدلك على صدقه أن في القرآن لم يرد النبأ والأنباء إلا لما له وقع قال :﴿وجئتك من سبإ بنبإ يقين﴾ لأنه كان خبرا عظيما وقال :﴿إن جاءكم فاسق بنبإ﴾ [الحجرات: ٦] أي محاربة أو مسالمة وما يشبهه من الأمور العرفية، وإنما يجب التثبت فيما يتعلق به حكم ويترتب عليه أمر ذو بال، وكذلك قال تعالى :﴿ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك﴾ فكذلك الأنباء هاهنا، وقال تعالى عن موسى :﴿لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة﴾ حيث لم يكن يعلم أنه يظهر له شيء عظيم يصلح أن يقال له : نبأ ولم يقصده، والظاهر أن المراد أنباء المهلكين بسبب التكذيب وقال بعضهم : المراد القرآن، وتقديره جاء فيه الأنباء، وقيل قوله :﴿جاءكم من الأنباء﴾ يتناول جميع ما ورد في القرآن من الزواجر والمواعظ وما ذكرناه أظهر لقوله :﴿فيه مزدجر﴾ وفي :﴿ما﴾ وجهان ( أحدهما ) : أنها موصولة أي جاءكم الذي فيه مزدجر ثانيهما : موصوفة تقديره :( جاءكم من الأنباء ) شيء موصوف بأن فيه ( مزدجر ) وهذا أظهر والمزدجر فيه وجهان أحدهما ازدجار وثانيهما موضع ازدجار، كالمرتقى، ولفظ المفعول بمعنى المصدر كثير لأن المصدر هو المفعول الحقيقي.