الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ : فيه وجهان، أحدُهما : أنَّه بدلٌ من " ما فيه مُزْدَجر " كأنه قيل : ولقد جاءَهُمْ حكمةٌ بالغةٌ من الأنباء، وحينئذٍ يكونُ بدلَ كلٍ مِنْ كلٍ، أو بدلَ اشتمال. الثاني : أَنْ يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ، أي : هو حكمةٌ، أي : ذلك الذي جاءهم. وقد تقدَّم أنه يجوزُ على قراءةِ أبي جعفرٍ وزيدٍ أَنْ يكونَ خبراً ل " كلُّ أمرٍ مستقرٍ ". وقُرِىء " حكمةً " بالنصب حالاً مِنْ " ما " قال الزمخشري :" فإنْ قلتَ : إن كانَتْ " ما " موصولةً ساغ لك أَنْ تَنْصِبَ " حكمةً " حالاً، فكيف تعمل إنْ كانت موصوفةً وهو الظاهرُ ؟ قلت : تَخَصُّصُها بالصفةِ فيَحْسُنُ نَصْبُ الحالِ عنها " انتهى. وهو سؤال واضحٌ جداً.
قولَه :﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ يجوزُ في " ما " أَنْ تكونَ استفهاميةً، وتكون في محلِّ نصبٍ مفعولاً مقدماً، أي : أيُّ شيءٍ تُغْني النذرُ ؟ وأن تكون نافيةً، أي : لم تُغْنِ النذرُ شيئاً. والنُّذُرُ : جمعُ نذيرٍ المرادِ به المصدرُ أو اسمُ الفاعل، كما تقدَّم في آخر النجم.
وكُتِب " تُغْنِ " إتباعاً لِلَفْظِ الوصلِ فإنَّها ساقطةٌ لالتقاء الساكنين : قال بعضُ النحويين : وإنما حُذِفَتْ الياءُ مِنْ " تُغْني " حَمْلاً ل " ما " على " لم " فجَزَمَتْ كما تَجْزِمُ " لم ". قال مكي :" وهذا خطأٌ ؛ لأنَّ " لم " تَنْفي الماضيَ وتَرُدُّ المستقبلَ ماضياً، و " ما " تنفي الحالَ، فلا يجوزُ أَنْ تقعَ إحداهما موقع الأخرى لاختلافِ معنَيَيْهما ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى