مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر﴾ وفيه قراءات خاشعا وخاشعة وخشعا، فمن قرأ خاشعا على قول القائل : يخشع أبصارهم على ترك التأنيث لتقدم الفعل ومن قرأ خاشعة على قوله :﴿تخشع أبصارهم﴾ ومن قرأ خشعا فله وجوه ( أحدها ) : على قول من يقول : يخشعن أبصارهم على طريقة من يقول : أكلوني البراغيث ( ثانيها ) : في :﴿خشعا﴾ ضمير أبصارهم بدل عنه، تقديره يخشعون أبصارهم على بدل الاشتمال كقول القائل : أعجبوني حسنهم. ( ثالثها ) : فيه فعل مضمر يفسره يخرجون تقديره يخرجون خشعا أبصارهم على بدل الاشتمال والصحيح خاشعا، روي أن مجاهدا رأى النبي ﷺ في منامه فقال له : يا نبي الله خشعا أبصارهم أو خاشعا أبصارهم ؟ فقال عليه السلام : خاشعا، ولهذه القراءة وجه آخر أظهر مما قالوه وهو أن يكون خشعا منصوبا على أنه مفعول بقوله :﴿يوم يدعو الداع﴾ خشعا أي يدعو هؤلاء، فإن قيل : هذا فاسد من وجوه ( أحدها ) : أن التخصيص لا فائدة فيه لأن الداعي يدعو كل أحد، ( ثانيها ) : قوله :﴿يخرجون من الأجداث﴾ بعد الدعاء فيكونون خشعا قبل الخروج وإنه باطل، ( ثالثها ) : قراءة خاشعا تبطل هذا، نقول أما الجواب عن الأول فهو أن يقال قوله :﴿إلى شيء نكر﴾ يدفع ذلك لأن كل أحد لا يدعى إلى شيء نكر وعن الثاني المراد :( من شيء نكر ) الحساب العسر يعني يوم يدع الداع إلى الحساب العسر خشعا ولا يكون العامل في :﴿يوم يدعو﴾ يخرجون بل اذكروا، أو :﴿فما تغني النذر﴾ كما قال تعالى :﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ ويكون يخرجون ابتداء كلام، وعن الثالث أنه لا منافاة بين القراءتين ؛ وخاشعا نصب على الحال أو على أنه مفعول يدعو كأنه يقول : يدعو الداعي قوما خاشعة أبصارهم والخشوع السكون قال تعالى :﴿وخشعت الأصوات﴾ وخشوع الأبصار سكونها على كل حال لا تنفلت يمنة ولا يسرة كما في قوله تعالى :﴿لا يرتد إليهم طرفهم﴾ وقوله تعالى :﴿يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر﴾ مثلهم بالجراد المنتشر في الكثرة والتموج، ويحتمل أن يقال : المنتشر مطاوع نشره إذا أحياه فكأنهم جراد يتحرك من الأرض ويدب إشارة إلى كيفية خروجهم من الأجداث وضعفهم.