فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
ثم بيّن سبحانه متى تكون القارعة فقال :﴿يَوْمَ يَكُونُ الناس كالفراش المبثوث﴾. وانتصاب الظرف بفعل محذوف تدلّ عليه القارعة : أي تقرعهم يوم يكون الناس إلخ، ويجوز أن يكون منصوباً بتقدير اذكر. وقال ابن عطية، ومكي، وأبو البقاء : هو منصوب بنفس القارعة، وقيل : هو خبر مبتدأ محذوف، وإنما نصب لإضافته إلى الفعل، فالفتحة فتحة بناء لا فتحة إعراب : أي هي يوم يكون إلخ. وقيل التقدير : ستأتيكم القارعة يوم يكون. وقرأ زيد بن عليّ برفع يوم على الخبرية للمبتدأ المقدّر. والفراش : الطير الذي تراه يتساقط في النار، والسراج، والواحدة فراشة، كذا قال أبو عبيدة وغيره. قال الفراء : الفراش هو الطائر من بعوض وغيره، ومنه الجراد. قال وبه يضرب المثل في الطيش، والهوج، يقال : أطيش من فراشة، وأنشد :
وقول آخر :
والمراد بالمبثوث المتفرّق المنتشر. يقال بثه : إذا فرقه. ومثل هذا قوله سبحانه في آية أخرى :﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] وقال ﴿المبثوث﴾، ولم يقل المبثوثة، لأن الكل جائز، كما في قوله :﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] و﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] وقد تقدّم بيان وجه ذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال :﴿القارعة﴾ من أسماء يوم القيامة. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله :﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ قال : كقوله هوت أمه. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة :﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ قال : أمّ رأسه هاوية في جهنم. وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : رسول الله ﷺ :«إذا مات المؤمن تلقته أرواح المؤمنين يسألونه ما فعل فلان ما فعلت فلانة ؟ فإذا كان مات، ولم يأتهم قالوا : خولف به إلى أمه الهاوية، فبئست الأمّ، وبئست المربية» وأخرج ابن مردويه من حديث أبي أيوب الأنصاري نحوه. وأخرج ابن المبارك من حديث أبي أيوب نحوه أيضاً.
| فراشة الحلم فرعون العذاب وإن | يطلب نداه فكلب دونه كلب |
| وقد كان أقوام رددت حلومهم | عليهم وكانوا كالفراش من الجهل |