اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿فَأَصْبَحَ فِي المدينة﴾ التي قتل فيها القبطي «خَائِفاً » الظاهر أنه خبر «أصبح »، و «فِي المَدِينَةِ » مفعول به، ويجوز أن يكون حالاً، والخبر «فِي المَدِينَةِ »(١)، ويضعف تمام «أَصْبَحَ » أي : دخل في الصباح.
قوله :«يَتَرَقَّبُ » يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً ثانيةً، وأن يكون بدلاً من الحال ( الأولى )(٢) (٣)، أو الخبر الأول، أو حالاً من الضمير في «خَائفاً »(٤) فتكون متداخلة، ومفعول «يَتَرَقَّبُ » محذوف، أي : يترقب المكروه، أو الفرج، أو الخبر : هل وصل لفرعون أم لا ؟(٥) قوله :«فَإِذَا الذي » «إِذَا » فجائية، و «الَّذِي » مبتدأ وخبره إمَّا «إذَا » ف «يَسْتَصْرِخُهُ » حال، وإمَّا «يَسْتَصْرِخُهُ » ف «إِذَا » فضلة على بابها(٦)، و «بِالأَمْسِ » معرب، لأنه متى دخلت عليه «أل » أو(٧) أضيف أعرب، ومتى عَرِيَ منها فحاله معروفٌ، الحجاز(٨) يبنونه، والتميميون يمنعونه الصرف(٩)، كقوله :
٣٩٨١ - لَقَدْ(١٠) رَأَيْتُ عَجَباً مُذْ أَمْسَا(١١) ***. . .
على أنه قد بُنِيَ مع «ال » ندوراً، كقوله :
٣٩٨٢ - وَإِنِّي حُبِسْتُ اليَوْمَ والأَمْسِ قَبْلَهُإِلَى الشَّمْسِ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ(١٢)
يروى بكسر السين.
قوله :﴿قَالَ لَهُ موسى﴾ الضمير قيل للإسرائيلي، لأنه كان سبباً في الفتنة الأولى، وقيل للقبطي(١٣)، وذلك أنَّ موسى لما أصبح خائفاً من قتل القبطي «يَتَرَقَّب » ينتظر سوءاً، والترقب انتظار المكروه. قال الكلبي : ينتظر متى يؤخذ به، ﴿فَإِذَا الذي استنصره بالأمس يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يستغيثه ويصيح به من بعد(١٤)، قال ابن عباس : أتى فرعون فقيل له : إنَّ بني إسرائيل قتلوا مِنَّا رجلاً فخذ لنا بحقنا، فقال ابغوا(١٥) لي قاتله ومن يشهد عليه ( فلا تنسبوني أن أقضي )(١٦) بغير بينة، فبينما هم يطوفون لا يجدون بيّنة إذ مَرَّ مُوسَى من الغد، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونياً، فاستغاثه على الفرعوني، فصادق موسى وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتل القبطي، فقال موسى للإسرائيلي :﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ ( أي : ظاهر الغواية )(١٧) (١٨). قال أهل اللغة :«لَغَوِيٌّ » يجوز أن يكون فَعِيلاً بمعنى مفعل، أي : إنَّك لمغويّ، فإنِّي وقعتُ بالأمس فيما وقعت فيه بسببك، ويجوز أن يكون بمعنى الغاوي(١٩) : قاتلت رجلاً بالأمس فقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر، وتستغيثني عليه، وقيل : إنما قال موسى للفرعوني :﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ بظلمك، والأكثرون على الأول(٢٠).
١ انظر البيان ٢/٢٣٠..
٢ انظر التبيان ٢/١٠١٨..
٣ ما بين القوسين في ب: الأول..
٤ انظر التبيان ٢/١٠١٨..
٥ انظر البحر المحيط ٧/١٠١..
٦ انظر البيان ٢/٢٣٠-٢٣١، التبيان ٢/١٠١٨..
٧ في ب: و..
٨ في ب: أهل الحجاز..
٩ انظر الكتاب ٣/٣٨٣-٣٨٥، ابن يعيش ٤/١٠٦-١٠٧، شرح التصريح ٢/٢٢٥-٢٢٦، الهمع ١/٢٠٨-٢٠٩..
١٠ لقد: سقط من الأصل..
١١ رجز ينسب للعجاج وهو في الكتاب ٣/٢٨٥، أمالي ابن الشجري ٢/٢٦٠، ابن يعيش ٤/١٠٦، شذور الذهب ٩٩، المقاصد النحوية ٤/٣٥٧، شرح التصريح ٢/٢٢٦، الهمع ١/٢٠٩ الخزانة ٧/١٦٧، الدرر ١/١٧٥. والشاهد فيه أعراب (أمس) مع منعها من الصرف للعلمية والعدل عن (الأمس) عند بني تميم..
١٢ البيت من بحر الطويل، قاله نصيب بن رباح، شاعر إسلامي، وهو في الخصائص ٣/٥٧، المحتسب ٢/١٩٠، الإنصاف ١/٣٢٠، اللسان (أمس)، شذور الذهب ١٠١، الهمع ١/٢٠٩ الدرر ١/١٧٥. والشاهد فيه قوله: (الأمس) بكسر السين، فهو مبني، والأصل فيه الإعراب لأنه اقترن بـ (أل) فكان الواجب فيه النصب إعراباً.
وروي بفتح السين على الأصل، لأنه معطوف على (اليوم) وهو منصوب، والمعطوف على المنصوب منصوب..

١٣ انظر البحر المحيط ٧/١١٠..
١٤ انظر البغوي ٦/٣٢٧..
١٥ يريد: اطلبوا إلى..
١٦ ما بين القوسين في الأصل: لن يقضي..
١٧ انظر البغوي ٦/٣٢٧..
١٨ ما بين القوسين مكرر في ب..
١٩ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢٣٦..
٢٠ انظر البغوي ٦/٣٢٧-٣٢٨..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى