الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
كبراهما : كانت تسمى صفراء، والصغرى : صفيراء. وصفراء : هي التي ذهبت به وطلبت إلى أبيها أن يستأجره، وهي التي تزوجها. وعن ابن عباس : أن شعيبا أحفظته الغيرة فقال : وما علمك بقوّته وأمانته ؟ فذكرت إقلال الحجر ونزع الدلو، وأنه صوّب رأسه حين بلغته رسالته وأمرها بالمشي خلفه. وقولها :﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ استجرت القوى الأمين﴾ كلام حكيم جامع لا يزاد عليه، لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان ؛ أعني الكفاية والأمانة في القائم بأمرك فقد فرغ بالك وتم مرادك ؛ وقد استغنت بإرسال هذا الكلام الذي سياقه سياق المثل، والحكمة أن تقول استأجره لقوّته وأمانته.
فإن قلت : كيف جعل خير من استأجرت اسماً لإنّ والقوي الأمين خبراً ؟ قلت : هو مثل قوله :
في أن العناية هي سبب التقديم، وقد صدقت حتى جعل لها ما هو أحق بأن يكون خبراً اسماً، وورود الفعل بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف. ومنه قولهم : أهون ما أعملت لسان ممخ. وعن ابن مسعود رضي الله عنه : أفرس الناس ثلاثة : بنت شعيب، وصاحب يوسف، في قوله :﴿عسى أَن يَنفَعَنَا﴾ [يوسف: ٢١] وأبو بكر في عمر. روي أنه أنكحه صفراء.
فإن قلت : كيف جعل خير من استأجرت اسماً لإنّ والقوي الأمين خبراً ؟ قلت : هو مثل قوله :
| أَلاَ إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ حَيًّا وَهَالِكَا | أَسِيرُ ثَقِيفٍ عِنْدَهُمْ فِي السَّلاَسِلِ |