البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
﴿وقال موسى ربي أعلمُ بمن جاء بالهُدَى من عنده﴾، فيعلم أني محق، وأنتم مبطلون، وقرأ ابن كثير :" قال " ؛ بغير واو ؛ جواباً لمقالتهم. ﴿ومَن تكونُ له عاقبةُ الدار﴾ أي : العاقبة المحمودة، فإن المراد بالدار : الدنيا، وعاقبتها الأصلية هي الجنة ؛ لأن الدنيا خلقت مَعْبراً ومجازاً إلى الآخرة، والمقصود منها، بالذات، هو المجازاة على الأعمال فيها من الثواب الدائم، أو العقاب الأليم، ﴿إنه لا يُفلِحُ الظالمون﴾ ؛ لا يفوزون بالهدى في الدنيا، وحسن العاقبة في العقبى.
قال النسفي : قل ربي أعلم منكم بحال من أَهَّلَهُ الله للفلاح الأعظم ؛ حيث جعله نبياً وبعثه بالهدى، ووعده حُسْنَ العُقْبَى، يعني نفسه، ولو كان كما تزعمون، ساحراً، مفترياً، لما أَهَّلَهُ لذلك ؛ لأنه غني حكيم، لا يرسل الكاذبين، ولا يُنَبِّئُ الساحرين، ولا يفلح عنده الظالمون، وعاقبة الدار هي العاقبة المحمودة ؛ لقوله تعالى :﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنِّاتِ عَدْنٍ﴾ [الرعد: ٢٢]. والمراد بالدار : الدنيا، وعاقبتها : أن تختم للعبد بالرحمة والرضوان، ويلقى الملائكة بالبشرى والغفران. ه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : الأرواح كلها برزت من عالم العز والكبرياء، وهو عالم الجبروت، فلما هبطت إلى عالم الأشباح، وكلفت بالعبودية، وبالخضوع لقهرية الربوبية، شق عليها، ونفرت من التواضع والذل، وبطشت إلى أصلها ؛ لأنها من عالم العز، فبعث الله الرسل ومشايخ التربية يدلونها على ما فيه سعادتها. من الذل والتواضع والخضوع للحق، حتى تصل إلى الحق، فمن سبق له الشقاء ؛ أنف، وقال : ما هذا إلا سحر مفترى، وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، واستكبر وطغى، فغرق في بحر الردى. ومن سبقت له السعادة ؛ تواضع، وذل لعظمة مولاه، فوصله إلى العز الدائم، في حضرة جماله وسناه. ولذلك قيل : للنفس خاصية ما ظهرت إلا على فرعون، حيث قال : أنا ربكم الأعلى. وهذه الخاصية هي أصل نشأتها وبروزها، حيث برزت من عالم الجبروت ؛ قال تعالى :﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ ولكن لم يفتح لها الباب إلا من جهة العبودية والذل والافتقار، كما قال الشاعر :
ولا يرضى المحبوب من المحب إلا الأدب، وهو التذلل والخضوع، كما قائل القائل :
قال النسفي : قل ربي أعلم منكم بحال من أَهَّلَهُ الله للفلاح الأعظم ؛ حيث جعله نبياً وبعثه بالهدى، ووعده حُسْنَ العُقْبَى، يعني نفسه، ولو كان كما تزعمون، ساحراً، مفترياً، لما أَهَّلَهُ لذلك ؛ لأنه غني حكيم، لا يرسل الكاذبين، ولا يُنَبِّئُ الساحرين، ولا يفلح عنده الظالمون، وعاقبة الدار هي العاقبة المحمودة ؛ لقوله تعالى :﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنِّاتِ عَدْنٍ﴾ [الرعد: ٢٢]. والمراد بالدار : الدنيا، وعاقبتها : أن تختم للعبد بالرحمة والرضوان، ويلقى الملائكة بالبشرى والغفران. ه.
| تَذَلَّلْ لِمَنْ تَهْوَى ؛ لِتَكْسِبَ عِزَّةً | فَكَمْ عِزَّةٍ قَدْ نالَهَا المَرْءُ بِالذُّلِّ |
| إِذَا كَانَ مَنْ تَهْوى عَزِيزاً، وَلَمْ تَكُنْ | ذَلِيلاً لَهُ، فَاقْرَ السَّلامَ على الْوَصْلِ |
| أدَبُ الْعَبْـدِ تَـذَلُّـلٌ | وَالْعَبْـدُ لاَ يَـدَعُ الأدَبْ |
| فَإذَا تَكَـامَـلَ ذُلّـهُ ؛ | نَـالَ الْمَـوَدَّةَ، وَاقْتَـرَبْ |