فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
﴿وَقَالَ موسى رَبّي أَعْلَمُ بِمَن جَاء بالهدى مِنْ عِندِهِ﴾ يريد نفسه، وإنما جاء بهذه العبارة ؛ لئلا يصرّح لهم بما يريده قبل أن يوضح لهم الحجة، والله أعلم. قرأ الجمهور ﴿وقال موسى﴾ بالواو، وقرأ مجاهد وابن كثير وابن محيصن :﴿قال موسى﴾ بلا واو، وكذلك هو في مصاحف أهل مكة. وقرأ الكوفيون إلا عاصماً :﴿ومن يكون عاقبة الدار﴾ بالتحتية على أن اسم يكون عاقبة الدار. والتذكير لوقوع الفصل ؛ ولأنه تأنيث مجازي، وقرأ الباقون ﴿تكون﴾ بالفوقية، وهي أوضح من القراءة الأولى، والمراد بالدار هنا : الدنيا، وعاقبتها : هي الدار الآخرة، والمعنى : لمن تكون له العاقبة المحمودة، والضمير في ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ للشأن : أي إن الشأن أنه لا يفلح الظالمون : أي لا يفوزون بمطلب خير، ويجوز أن يكون المراد بعاقبة الدار خاتمة الخير.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿رِدْءاً يُصَدّقُنِي﴾ كي يصدقني. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال : لما قال فرعون ﴿يا أيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِي﴾ قال جبريل : يا ربّ طغى عبدك فائذن لي في هلكه، فقال : يا جبريل هو عبدي، ولن يسبقني، له أجل يجيء ذلك الأجل، فلما قال :﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى﴾ قال الله : يا جبريل سبقت دعوتك في عبدي وقد جاء أوان هلاكه. وأخرج ابن مردويه عنه قال : قال رسول الله ﷺ :«كلمتان قالهما فرعون ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِي﴾ وقوله :﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤]» قال :«كان بينهما أربعون عاماً ﴿فَأَخَذَهُ الله نَكَالَ الآخرة والأولى﴾». [النازعات: ٢٥]. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : بلغني أن فرعون أوّل من طبخ الآجرّ. وأخرجه ابن المنذر عن ابن جريج. وأخرج البزار وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله ﷺ :«ما أهلك الله قوماً ولا قرناً ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ أنزل التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخت قردة. ﴿ألم تر﴾ إلى قوله :﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا القرون الأولى﴾» وأخرجه البزار وابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي سعيد موقوفاً.