مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي
عن الكتاب
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ياأيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى﴾ قصد بنفي علمه بإله غيره نفي وجوده أي ما لكم من إله غيري أو هو على ظاهره وأن إلهاً غيره غير معلوم عنده ﴿فَأَوْقِدْ لِى ياهامان عَلَى الطين﴾ أي اطبخ لي الآجر واتخذه. وإنما لم يقل مكان الطين هذا لأنه أول من عمل الآجر فهو يعلمه الصنعة بهذه العبارة، ولأنه أفصح وأشبه بكلام الجبابرة إذ أمر هامان وهو وزيره بالإيقاد على الطين منادى باسمه ب «يا » في وسط الكلام دليل التعظيم والتجبر ﴿فاجعل لّى صَرْحاً﴾ قصراً عالياً ﴿لَّعَلّي أَطَّلِعُ﴾ أي أصعد والاطلاع الصعود ﴿إلى إله موسى﴾ حسب أنه تعالى في مكان كما كان هو في مكان ﴿وَإِنّى لأظُنُّهُ﴾ أي موسى ﴿مِنَ الكاذبين﴾ في دعواه أن له إلهاً وأنه أرسله إلينا رسولاً. وقد تناقض المخذول فإنه قال ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى﴾ ثم أظهر حاجته إلى هامان، وأثبت لموسى إلهاً وأخبر أنه غير متيقن بكذبه وكأنه تحصن من عصا موسى عليه السلام فلبّس وقال ﴿لعلى أطلع إلى إله موسى﴾ روي أن هامان جمع خمسين ألف بناء وبنى صرحاً لم يبلغه بناء أحد من الخلق، فضرب الصرح جبريل عليه السلام بجناحه فقطعه ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، وقطعة في البحر، وقطعة في المغرب ولم يبق أحد من عماله إلا هلك